لم تعد الحرب في السودان تُحسم بعدد المقاتلين ولا باتساع مناطق الانتشار، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة عنوانها السيطرة الجوية الذكية، حيث أصبحت المسيّرات المتطورة السلاح الفاصل الذي قلب موازين الصراع، وأخرج ميلشيا الدعم السريع من معادلة المبادرة إلى مربع الانكشاف والعجز.
فالجيش السوداني اليوم لا يقاتل بأسلوب الأمس، بل يخوض حرب القرن الحادي والعشرين، مستندًا إلى التكنولوجيا الدقيقة والتحالفات العسكرية النوعية التي جعلت السماء سودانية القرار والاتجاه.
من التفوق العددي إلى الانهيار العملياتي
لسنوات اعتمدت الميلشيا على الانتشار الكثيف داخل المدن، والحركة السريعة بين الأحياء، واستخدام المدنيين دروعًا بشرية، في محاولة لإغراق الجيش في حرب استنزاف طويلة.
غير أن دخول المسيّرات المتقدمة أسقط هذه المعادلة بالكامل.
فأصبحت مراكز القيادة مرصودة، وخطوط الإمداد مكشوفة، والتجمعات أهدافًا دقيقة، وتحول عنصر المفاجأة إلى يد الجيش لا الميلشيا، لينقلب التفوق العددي إلى عبء ميداني قاتل.
AKINCI وما بعدها: سيادة جوية بتكلفة ذكية
المسيّرات التركية من طراز AKINCI شكّلت قفزة نوعية في إدارة الحرب، بمدى قتالي واسع، وقدرة تحليق طويلة، وذخائر دقيقة، وربط استخباري لحظي مع غرف العمليات.
ومع الدعم التقني الباكستاني في التشغيل والتكتيك، تشكّلت شبكة ضربات ذكية أربكت الميلشيا، وجعلت تحركاتها مكشوفة في كل الاتجاهات.
سنجة والجزيرة والنيل الأبيض: سقوط الأوكار لا المواقع
على الأرض، ترجمت هذه السيادة الجوية إلى نتائج حاسمة.
ففي سنجة والجزيرة والنيل الأبيض، أنهكت المسيّرات الميلشيا وأخرجتها من أوكارها، وضربت تجمعاتها ومخازنها، وأفقدتها القدرة على الاختباء أو المناورة.
وفي عمارات الخرطوم وأحياء النيل الأبيض، أُجبرت عناصر الدعم السريع على الانسحاب تحت الضربات الدقيقة، تجرّ أذيال الهزيمة، رغم استمرار الإمداد الإماراتي بالسلاح والمال.
لم يكن الانسحاب تكتيكًا، بل فرارًا فرضته السماء.
الحصار يمتد: كردفان ودارفور تحت الضغط
لم تتوقف نتائج المسيّرات عند الوسط، بل امتدت إلى جنوب وغرب كردفان ودارفور، حيث بدأت الميلشيا تعاني حصارًا ناريًا واستخباريًا متصاعدًا، كشف تحركاتها ومسارات المرتزقة، بما في ذلك المرتزقة الكولومبيون.
ورغم محاولات التعويض بالمقاتلين الأجانب، فإن غياب الغطاء الجوي حوّل هذه القوات إلى عبء إضافي، لا عنصر ترجيح.
السماء تحسم… والأرض تتبع
في السودان، كما في كل حروب العصر الحديث، من يملك السماء يفرض إيقاع الأرض.
فالمسيّرات تضرب أولًا، والميلشيا تفقد القدرة على المناورة، والقوات البرية تتقدم بأقل خسائر، بينما تنهار الروح القتالية لعناصر الجنجويد.
وهكذا انتقلت المدن من ساحات فوضى إلى مساحات استعادة تدريجية محسوبة.
الشعب والجيش: معركة واحدة وخندق واحد
الأهم من كل ذلك أن هذه الحرب لم تعد حرب الجيش وحده، بل حرب شعب ودولة.
فالشعب السوداني، الذي ذاق ويلات الجنجويد، يقف اليوم من وراء قواته المسلحة، يساندها، ويمنحها الشرعية الوطنية الكاملة لتجفيف مشروع الميلشيا.
إنه التفاف تاريخي يؤكد أن معركة السودان ليست صراع سلطة، بل معركة بقاء وهوية.
الخلاصة: حين امتلك الجيش السماء… انهارت الميلشيا
ما جرى في سماء السودان لم يكن تطورًا تقنيًا فحسب، بل تحولًا استراتيجيًا أنهى وهم السيطرة الميليشياوية، وكشف خطوط الإمداد، وأسقط رهانات الداعمين الإقليميين.
حين امتلك الجيش السماء، استعاد الأرض، وحين خرجت الميلشيا من أوكارها، بدأ العد التنازلي لنهايتها.
السودان اليوم أقرب من أي وقت مضى لاستعادة دولته كاملة، بجيش محترف، وشعب واعٍ ومعركة تُدار بعقل الدولة لا بفوضى العصابات.
البريد الإلكتروني: alzomzami.analysis@gmail.com

