لم يعد المشهد السوداني يُدار بذات الأدوات التي حكمت بدايات الحرب. فبعد شهور طويلة من سياسة “إدارة النزاع” واحتواء الانفجار، دخلت الأزمة مرحلة جديدة عنوانها تضييق الخناق على المليشيات وفرض معادلة الدولة.
التحولات المتسارعة في المواقف الدولية، خاصة الأمريكية، وتغيّر نبرة العواصم الإقليمية المؤثرة، تعكس إدراكًا متأخرًا لكنه حاسم:
استمرار الحرب لم يعد خطرًا على السودان وحده، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي.
واشنطن تعيد التموضع: لا غطاء سياسي بعد اليوم
التصريحات الأمريكية الأخيرة حول “تحول مفاجئ” في السودان، وما كشفه دبلوماسيون عن كواليس مؤتمر واشنطن، تشير إلى نهاية مرحلة التردد.
لم تعد الميلشيا تُعامل كطرف يمكن إدماجه سياسيًا، بل كعقبة أمام أي تسوية مستقرة.
الرسالة الأمريكية باتت أكثر وضوحًا:
لا شرعية سياسية لمن يحمل السلاح خارج إطار الدولة، ولا مستقبل لأي عملية سياسية لا تُبنى على تفكيك المليشيات ومحاسبة المتورطين في الجرائم.
الواقع الميداني يسبق التفاهمات السياسية
على الأرض، تفرض الوقائع نفسها بقوة. انسحابات متتالية للدعم السريع من مناطق عدة، وتراجع في القدرة على الإمساك بالأرض، وانكشاف في خطوط الإمداد، كلها مؤشرات على انهيار بطيء لكنه حتمي.
تحركات الشاحنات من بورتسودان، وتغيّر أنماط الإمداد، توحي بأن ترتيبات ما بعد الحرب بدأت عمليًا، حتى وإن لم يُعلن عنها رسميًا بعد.
السياسة هنا تلحق بالواقع، لا العكس.
فك الحصار ووصول الإغاثة: سقوط سلاح العقاب الجماعي
وصول المساعدات الإنسانية إلى كادقلي والدلنج بعد فك حصار طويل شكّل نقطة فاصلة في مسار الحرب.
فالميلشيا التي راهنت على إخضاع المدن عبر الجوع والعزل، فقدت أحد أخطر أسلحتها.
هذا التطور لا يحمل بعدًا إنسانيًا فقط، بل رسالة سياسية عميقة:
المجتمعات المحلية صمدت، ومشروع كسر الإرادة الجماعية فشل فشلًا ذريعًا.
الخرطوم كنموذج: استعادة الأمن المؤسسي
عودة الشرطة بكل وحداتها، وجهاز الأمن بكامل تشكيلاته، لتولي مسؤولية حماية الخرطوم بعد تحريرها، تمثل اختبارًا عمليًا لمرحلة ما بعد الحرب.
العاصمة لم تعد ساحة للفوضى والسلاح المنفلت، بل مختبرًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
نجاح هذا النموذج سيحدد شكل التعافي الأمني في بقية المدن المحررة.
“تأسيس” في مواجهة الإقليم: عزلة ما بعد الفشل الدبلوماسي
بعد فشلها في انتزاع أي اعتراف دولي، اختارت مجموعة “تأسيس” التصعيد، ليس فقط ضد الدولة السودانية، بل في مواجهة مباشرة مع مصر والسعودية والإيغاد وتركيا وقطر.
هذا التحول من الخطاب السياسي إلى الصدام الإقليمي يعكس حالة انسداد كامل في الأفق، ويؤكد أن بعض القوى لم تستوعب بعد تغير قواعد اللعبة.
في لحظة إقليمية تميل إلى الاستقرار وضبط النزاعات، فإن من يختار المواجهة مع الجميع، يختار العزلة والنهاية السياسية.
الرباعية تحت المجهر: الحياد لم يعد مقبولًا
التشكيك المتزايد في حيادية بعض أطراف “الرباعية” يكشف أن المرحلة الحالية لا تحتمل ازدواجية المواقف.
الوسيط الذي يغض الطرف عن السلاح المنفلت، أو يساوي بين الدولة والميلشيا، سيفقد موقعه تلقائيًا.
السودان اليوم أمام عملية فرز إقليمي ودولي صارمة:
إما دعم واضح لمسار إنهاء الحرب، أو خروج من معادلة التأثير.
العقوبات من التلويح إلى التنفيذ
إعادة فتح ملفات العقوبات، والتحركات داخل مجلس الأمن، والتعهدات السودانية بالتعاون الكامل، تشير إلى أن مرحلة التحذيرات توشك على الانتهاء.
العقوبات القادمة – إن فُرضت – ستكون مركزة على شبكات التمويل، والدعم اللوجستي، والواجهات السياسية التي أطالت أمد الحرب، لا على الدولة السودانية نفسها.
الخلاصة: السودان يفرض معادلة جديدة
ما يجري اليوم ليس مجرد تبدل في الخطاب، بل تحول في ميزان القوة:
- واقع ميداني يُضعف المليشيات.
- ضغط دولي يضيق هامش المناورة.
- عزلة سياسية للفاعلين خارج الدولة.
- استعادة تدريجية لمؤسسات الأمن والخدمات.
السودان لا يغلق صفحة حرب فقط، بل يطوي مرحلة كاملة من الفوضى المنظمة.
وكلما تأخر من تبقى في معسكر السلاح عن قراءة هذا التحول، اقترب من الخروج النهائي من التاريخ السياسي للبلاد.
📧 alzomzami.analysis@gmail.com

