مدخل عام
يدخل السودان عام 2026 وهو في واحدة من أعقد لحظات تاريخه الحديث. فالحرب التي بدأت كصراع مباشر بين الجيش وقوات الدعم السريع تحولت سريعًا إلى شبكة متداخلة من التحالفات القبلية والسياسية والإقليمية. ومع استمرار الانقسام العسكري وامتداد خطوط القتال إلى المدن والقرى، يتصدر المشهد سؤال مُلحّ:
هل يمكن للسودان أن يشهد سلامًا حقيقيًا خلال الفترة 2026–2028؟
هذه المقالة تحلل ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تحدد مستقبل البلاد، وتناقش العوامل التي يمكن أن تدفع السودان نحو السلام أو تعمّق مسار الحرب.
السيناريو الأول: سلام هش عبر تسوية دولية شاملة
ملامح السيناريو
قد يتحقق هذا السيناريو إذا مارست القوى الدولية — الولايات المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والإيغاد ودول الإقليم — ضغوطًا جدية لفرض وقف شامل لإطلاق النار، يتبعه مسار سياسي يتضمن:
- إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
- تقليص التأثير الإقليمي في مسار الحرب.
- إطلاق ترتيبات انتقالية محايدة لمدة عامين.
فرص الحدوث
الفرص متوسطة، لأن هذا السيناريو يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وتنازلات مؤلمة من الطرفين، في وقت لا تزال فيه الدول المؤثرة مترددة في استخدام ضغط حاسم.
مخاطر السيناريو
- سلام هش قابل للانفجار عند أول خلاف.
- عدم قدرة الدولة على فرض سيادة كاملة على كل مناطق السودان.
السيناريو الثاني: استمرار الحرب وتحولها إلى صراع مناطق ونفوذ
ملامح السيناريو
يمثل هذا السيناريو الأقرب للواقع الحالي، ويتضمن:
- ثبات خطوط التماس في عدة جبهات.
- تحوّل الحرب إلى صراع موارد وإدارة محلية.
- صعود زعماء قبليين وقادة ميدانيين كفاعلين مستقلين.
- تعدد مناطق النفوذ بين الجيش والدعم السريع ومناطق قبلية شبه مستقلة.
نتائج السيناريو
- ترسخ حالة “الدولة المتشظية”.
- ضعف السلطة المركزية وظهور نماذج حكم محلية غير خاضعة للخرطوم.
- استمرار الكارثة الإنسانية بلا أفق واضح للتعافي.
فرص الحدوث
الفرص عالية، لأن الواقع الحالي يشير إلى:
- عدم قدرة الجيش على الحسم السريع.
- عدم قدرة الدعم السريع على بناء دولة أو إدارة مستقرة.
- عجز المجتمع الدولي عن فرض حل ملزم.
السيناريو الثالث: الحسم العسكري لأحد الطرفين – نهاية موجعة للصراع
ملامح السيناريو
يمكن أن يتحقق الحسم العسكري إذا طرأت تطورات مفاجئة، مثل:
- انشقاقات واسعة داخل قوات الدعم السريع.
- تدخل عسكري خارجي حاسم يغيّر موازين القوى.
- ضغوط إقليمية شديدة تدفع أحد الأطراف للتراجع.
وقد ظهرت مؤشرات لهذا المسار عندما واجهت قوات الدعم السريع خسائر كبيرة، رغم الدعم الخارجي — خاصة من الإمارات — التي زوّدتها بالسلاح لتعويض تراجع قوتها، لكنها فشلت في تغيير مسار المعركة.
نتائج السيناريو
انهيار طرف بشكل مفاجئ، كما حدث مع تراجع قوات الدعم السريع من مناطق الشرق إلى الغرب وشمال كردفان.
دخول البلاد في مرحلة انتقالية قد تكون أكثر استقرارًا، لكنها تحمل ثمنًا اجتماعيًا باهظًا.
احتمالية ظهور جماعات مسلحة جديدة من بقايا الطرف المهزوم — وهو ما حاولته قوات الدعم السريع عبر السعي لإدخال قوات الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، وكذلك قوات الطاهر حجر والهادي إدريس، لكنه فشل.
فرص الحدوث
الفرص ضعيفة إلى متوسطة، لأن توازن القوى يمنع انهيارًا سريعًا، رغم أن الدعم السريع كان معرضًا للتلاشي لولا التدخل الخارجي.
العوامل المؤثرة في مسار السلام (2026–2028)
1. التحالفات القبلية ودور الزعامات المحلية
أسماء مثل موسى هلال، ونُظّار دارفور وكردفان والقيادات المحلية في الشرق أصبحت عناصر أساسية في معادلة الحرب.
وأي تسوية تتجاهلهم قد تسقط قبل أن تبدأ.
2. العلاقة بين الجيش والقوى الشعبية
هذه العلاقة ستحدد شكل السلطة القادمة.
تحالف الجيش مع قطاعات واسعة من الشعب قد يعقّد مسارات الترتيبات الانتقالية.
3. دور القوى المدنية
رغم ضعفها الحالي، فإن أي اتفاق سلام يحتاج إلى مظلة مدنية واسعة توفر رؤية للحكم، لا مجرد وقف لإطلاق النار.
4. العامل الإقليمي
الإمارات، مصر، تشاد، جنوب السودان، إثيوبيا — جميعها مؤثرة بشكل مباشر.
استقرار مصالح هذه الدول سيحدد فرص السلام واستمراريته.
5. الوضع الإنساني والاقتصادي
كلما تدهورت الأوضاع، ارتفع الضغط الشعبي لوقف الحرب.
لكن في الوقت نفسه يزداد خطر انهيار مؤسسات الدولة.
إلى أين يتجه السودان؟
وفق قراءة الواقع وموازين القوى، فإن السودان قد يواجه واحدة من النهايات الثلاث:
- هدنة دولية تؤسس لسلام هش قابل للتطور إذا توفر دعم خارجي قوي.
- استمرار الحرب بشكل متقطع مع خطوط نفوذ ثابتة — وهو السيناريو الأكثر احتمالًا.
- حسم عسكري مفاجئ، خاصة بعد نجاح الجيش في استعادة مناطق واسعة واستراتيجية في ولايات سنار، والنيل الأزرق، والجزيرة، والأبيض ومعظم ولاية الخرطوم.
وقد أصبحت قوات الدعم السريع محصورة في حواضن قبلية بعد خسارتها الوسط الغني والعاصمة، وأصبح يصعب عليها إعادة الانتشار مجددًا.
لذلك تسعى بقوة نحو الهدنة ووقف إطلاق النار خوفًا من الانهيار الكامل.
كما أن الإمارات ترفض الاعتراف بهزيمة مشروعها الداعم للدعم السريع، بينما يخشى جيران السودان — وخاصة تشاد — من انتقال الفوضى إليهم.
ورغم سقوط الفاشر، إلا أن ميزان القوة العسكرية يُظهر أن الدعم السريع شنّ نحو 400 هجوم على المدينة خلال عامين دون قدرة على تأمينها أو حماية المدنيين من عصاباتها.
خاتمة
يمتلك السودان فرصة — ولو ضعيفة — لبناء مستقبل مختلف، لكنها فرصة تحتاج إلى:
- إرادة سياسية صادقة.
- قبول بتسويات مؤلمة.
- تنازلات من قادة الحرب.
- ضغط شعبي ومدني مستمر.
السلام ممكن…
لكن ثمنه كبير، والوقت لا يعمل لصالح السودان.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com

