الأزمة السودانية ليست أزمة حكم بل أزمة معنى ليست سؤالا عن من يحكم بل عن لماذا يُحكم وبأي منطق تدار السلطة ما انهار في السودان لم يكن مؤسسات الدولة وحدها بل الإطار الرمزي الذي يجعل الدولة ممكنة بوصفها تعاقدا أخلاقيا بين السلطة والمجتمع لقد جرى على مدى طويل تحويل السياسة من فعل عمومي عقلاني إلى تقنية للهيمنة ومن مجال للصراع المشروع إلى إدارة دائمة للعنف ضمن هذا الأفق لا يمكن فهم الدولة السودانية إلا بوصفها دولة غلبة لا دولة شرعية فالشرعية لا تستمد من السيطرة الفعلية بل من القبول العام ومن قدرة السلطة على تبرير نفسها أخلاقيا أمام المجتمع غير أن السلطة تاريخيا قامت على منطق القهر ثم سعت لاحقا إلى إنتاج خطاب يبرر هذا القهر باسم الاستقرار أو الضرورة أو الخوف من الفوضى هكذا تحول الاستثناء إلى قاعدة والعنف إلى ممارسة يومية لا باعتباره خللا عارضا بل باعتباره أسلوب حكم في هذا السياق يبرز الشريف حسين الهندي لا بوصفه معارضا تقليديا بل بوصفه سؤالا جوهريا وحيا كيف تُقنع السلطة الناس بأن ما يعيشونه طبيعي؟ وكيف يتحول القهر إلى أمرٍ مقبول بل مُبرّر؟ لقد مثل اعتراضه شكلا من العصيان الأخلاقي داخل السياسة عصيان لا يرفع السلاح ولا يساوم على المبدأ كان يدرك أن العنف قد يفرض الطاعة لكنه يعجز عن إنتاج الشرعية وأن السلطة التي لا تجد مبررها في الإنسان تتحول حتما إلى قوة عمياء أخطر ما أنتجته الدولة السودانية هو تحييد السياسة نفسها فبدل أن تكون السياسة مجالا للنقاش العمومي وتداول المصالح جرى اختزالها إلى صراع نخب على السلطة بينما أُقصي المجتمع من الفعل السياسي الحقيقي لم يكن القهر ماديا فقط بل كان ثقافيا ورمزيا حيث جرى تطبيع الظلم وإقناع الناس بأن ما يعيشونه قدر تاريخي لا خيار سياسي وأن الممكن قد استنفد ولم يتبقّ سوى القبول أو الفوضى
ما سمي بالواقعية السياسية لم يكن في جوهره سوى أخلاق الطاعة واقعية تجرد الإنسان من حقه في الاعتراض وتحول السياسة إلى إدارة للخوف لقد فكك الشريف حسين الهندي هذا المنطق من أساسه مؤكّدًا أن السياسة لا تكون واقعية إلا حين تخضع للمساءلة ولا تكون عقلانية إلا حين تنحاز للعدالة فالسياسة التي تنفصل عن العدالة لا تصبح محايدة بل تنحاز تلقائيا إلى الأقوى
الدولة التي تفككت اليوم لم تفشل لأنها ضعيفة بل لأنها فقدت قدرتها على إنتاج المعنى تضخمت أجهزتها الأمنية والإدارية لكنها أفرغت المجال العمومي من المشاركة لم تحكم بالقوة المباشرة وحدها بل بتنظيم الحياة نفسها الاقتصاد والخطاب والهوية وتحويلها إلى أدوات ضبط لم تُهمش الأطراف صدفة بل لأن التهميش كان شرطا لبقاء المركز ولإعادة إنتاج السيطرة
اقتصاديا لم يكن الفقر عرضا جانبيا بل وظيفة سياسية فقد أعادت بنية السلطة توزيع الموارد بما يضمن التبعية لا التنمية والاستمرار لا العدالة من هنا تتجلى راهنية موقف الشريف حسين الهندي إذ فهم أن الاقتصاد ليس مسألة أرقام بل علاقة قوة وأن العدالة الاجتماعية ليست نتيجة للنمو بل شرطه الأخلاقي والسياسي
ما يميز تجربة الشريف في عمقها هو رفضه تحويل السياسة إلى مسرح للذات لم يسع إلى تمركز رمزي ولا إلى احتكار الحقيقة بل ظل وفيا لفكرة أن السياسة فعل جماعي وأن القائد ليس مصدر الشرعية بل خاضع لها لذلك لم ينه غيابه الجسدي حضوره الرمزي لأن ما يمثّله ليس شخصا بل معيارا نقديا دائما هذا النص لا يدعو إلى استعادة الماضي بل إلى تفكيكه بوصفه شرطا لفهم الحاضر فاستعادة السياسة تبدأ بتحريرها من منطق الضرورة الزائفة ومن خطاب الخوف ومن اختزال الدولة في السلطة السؤال الجذري ليس كيف نحكم؟ بل كيف نجعل الحكم ممكنًا دون عنف؟
إن الشريف حسين الهندي في هذا الأفق ليس رمزا وطنيا فحسب بل أداة نقدية لفضح كل سلطة تعجز عن تبرير نفسها أخلاقيا وكل دولة تخشى هذا السؤال وكل سياسة تهرب من هذا الامتحان ليست دولة ولا سياسة بل إدارة مؤقتة للعنف
سلسلة مقالات عن قيادات سودانيه أثرت الساحه السياسين والفكريه (الحلقه الاولي): استعادة السياسة من قبضة العنف .. نموذج الشريف حسين الهندي .. بقلم مستشار/ هشام محمود سليمان
المقالة السابقة

