تمهيد: حين تتحول الصفقات إلى زلازل سياسية
لم تعد تحركات دونالد ترامب الخارجية مجرّد تصريحات انتخابية أو استعراضات إعلامية، بل تحولت إلى موجات ارتدادية أصابت مراكز القرار في موسكو وبكين وبروكسل، وأعادت ترتيب حسابات أسواق النفط والتحالفات العسكرية، وفتحت الباب واسعًا أمام سؤال جوهري:
هل ما نشهده هو عودة النظام الدولي إلى منطق القوة العارية؟
أولًا: روسيا… مواجهة غير مباشرة بلغة الصواريخ والبحار
تنظر موسكو إلى تصعيد ترامب في فنزويلا وكوبا بوصفه محاولة أميركية لإعادة فرض الهيمنة في الفناء الخلفي لواشنطن، وإغلاق المساحات التي تسللت منها روسيا اقتصاديًا وعسكريًا خلال العقد الأخير.
الرد الروسي لم يكن مباشرًا في الكاريبي، لكنه جاء عبر:
استعراضات صاروخية جديدة.
تعزيز الوجود البحري في مناطق التوتر.
توسيع التعاون العسكري مع دول مناهضة للنفوذ الأميركي.
روسيا تدرك أن خسارة فنزويلا تعني خسارة بوابة استراتيجية في أميركا اللاتينية، ولذلك فهي تتعامل مع تحركات ترامب باعتبارها تهديدًا طويل الأمد لنفوذها العالمي، لا مجرد أزمة إقليمية.
ثانيًا: الصين… الاقتصاد في مواجهة البارود
على عكس روسيا، اختارت الصين طريقًا أكثر هدوءًا، لكنها لا يقل خطورة.
فبكين ترى أن تصعيد ترامب يهدد استثماراتها الضخمة في:
النفط الفنزويلي.
البنية التحتية في أميركا اللاتينية.
خطوط التجارة العابرة للأطلسي.
الصين لا تريد حربًا، لكنها تخشى أن تتحول سياسة ترامب إلى نموذج يُعاد تطبيقه لاحقًا في بحر الصين الجنوبي أو تايوان.
ولهذا، فإن موقفها يقوم على:
دعم سياسي غير مباشر لحلفاء واشنطن الخصوم.
تسريع مشاريع بديلة لمسارات الطاقة.
تعزيز الشراكات مع روسيا وإيران ودول الجنوب العالمي.
ثالثًا: أوروبا… حليف مرتبك بين الولاء والخوف
أوروبا وجدت نفسها في موقف بالغ الحساسية:
هي حليفة تقليدية للولايات المتحدة.
لكنها تخشى انفجار أزمات نفطية واقتصادية جديدة.
وتخشى أكثر أن تتحول سياسة ترامب إلى عبء استراتيجي عليها.
الدول الأوروبية الكبرى تدرك أن أي حرب واسعة في أميركا اللاتينية ستنعكس مباشرة على:
أسعار الطاقة.
الهجرة غير النظامية.
الاستقرار السياسي الداخلي.
ولهذا جاءت ردودها باهتة، حذرة، تميل إلى الدبلوماسية أكثر من الاصطفاف العسكري.
رابعًا: سوق النفط… البرميل الذي يكتب السياسة
النفط هو اللاعب الخفي في كل هذه الصفقات.
فنزويلا تملك أحد أكبر الاحتياطات في العالم، وأي اضطراب فيها يعني:
ارتفاع الأسعار عالميًا.
إعادة توجيه خطوط الإمداد.
تقوية نفوذ دول بديلة مثل السعودية وروسيا والعراق.
وهنا يظهر البعد الحقيقي لصفقات ترامب:
فالتصعيد ليس فقط سياسيًا أو عسكريًا، بل هو إعادة هندسة لخريطة الطاقة العالمية.
خامسًا: التحالفات… من الاصطفاف إلى السيولة
التحالفات التقليدية لم تعد صلبة كما كانت.
العالم اليوم يتحرك في حالة سيولة:
حلفاء الأمس يراجعون مواقفهم.
خصوم الأمس يبحثون عن مساحات تفاهم.
والدول المتوسطة تحاول النجاة بين الكبار.
سياسة ترامب عززت هذا الواقع، لأنها قائمة على منطق:
“من لا يربح معي… يخسر ضدي”.
سادسًا: إلى أين يتجه النظام العالمي؟
النظام الدولي يقف اليوم أمام ثلاثة مسارات محتملة:
عودة الحرب الباردة بصيغة جديدة.
تفكك النظام الدولي القائم لصالح توازنات إقليمية.
انفجار أزمات متعددة تُدار بلا قواعد واضحة.
وفي كل هذه السيناريوهات، تبقى سياسة ترامب واحدة من أخطر العوامل المسرّعة لهذا التحول.
خاتمة: ترامب لا يوقّع صفقات… بل يعيد كتابة الخرائط
ما يفعله ترامب ليس مجرد إدارة أزمات، بل هو إعادة كتابة جغرافيا النفوذ العالمي.
هو لا يفاوض فقط على اتفاقيات، بل على:
من يحكم الطاقة.
من يرسم الحدود.
ومن يملك القرار.
ولهذا فإن “صفقات ترامب” ليست مرحلة سياسية عابرة، بل محطة مفصلية في تاريخ النظام الدولي الحديث.


