حرب تُطبخ في الغرف المغلقة لا في ساحات المعارك
ليست الحرب المحتملة على إيران وليدة تهديدات إعلامية أو تصريحات انفعالية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل هي نتاج صراع مصالح عميق تقوده قوى اقتصادية وعسكرية وأيديولوجية ترى في طهران العقبة الأخيرة أمام إعادة رسم خريطة الطاقة والنفوذ العالمي.
فخلف الخطاب السياسي الصاخب، تتحرك شركات النفط العابرة للقارات، والدولة العميقة الأمريكية، واللوبي الصهيوني، في سباق مفتوح لإخضاع واحدة من أكبر دول الشرق الأوسط ثروةً وموقعًا وتأثيرًا.
ترامب… الواجهة السياسية لمصالح أعمق
يقدّم ترامب نفسه بوصفه رجل الصفقات والحسم العسكري، لكنه في الواقع يمثّل الغطاء السياسي لتحالف اقتصادي-أمني يرى أن السيطرة على النفط الإيراني تعني:
إضعاف الصين وروسيا
ضرب مشروع “بريكس”
حماية هيمنة الدولار ونظام سويفت
إعادة احتكار الطاقة العالمية بيد الشركات الأمريكية
بعد العراق وفنزويلا، لم تعد طهران سوى الحلقة التالية في سلسلة السيطرة على منابع الطاقة الاستراتيجية.
شركات النفط: الرابح الدائم من كل الحروب
التاريخ الحديث يؤكد حقيقة واحدة:
شركات النفط لا تخسر في الحروب… الشعوب هي من تخسر.
في العراق:
أكثر من مليون قتيل عراقي
آلاف الجنود الأمريكيين سقطوا
اقتصاد دمّر بالكامل
لكن من ربح؟
شركات الطاقة العملاقة التي سيطرت على الحقول والعقود لعقود طويلة.
الحرب بالنسبة لها استثمار طويل الأجل، والجنود مجرد أرقام قابلة للاستبدال.
إسرائيل: الحرب من أجل البقاء الإقليمي
إسرائيل ترى في إيران تهديدًا وجوديًا لا سياسيًا فقط.
أهداف تل أبيب واضحة:
منع إيران من امتلاك قدرة نووية
تدمير نفوذها في سوريا ولبنان واليمن
الحفاظ على التفوق العسكري المطلق في الشرق الأوسط
فوجود قوة إقليمية كبرى بحجم إيران يعني نهاية مرحلة الهيمنة الإسرائيلية المنفردة.
أوروبا المنقسمة: حرب أم تفاوض؟
الموقف الأوروبي يعكس صراع المصالح:
فرنسا وبريطانيا تميلان للتصعيد والمواجهة
ألمانيا تفضّل الاتفاقات الاقتصادية والنووية
أوروبا تخشى انفجار المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد خروج إيران عن المنظومة الغربية بالكامل.
من لا يريد الحرب؟ الخاسرون الحقيقيون
على عكس دعاة الحرب، تقف قوى إقليمية كبرى ضد أي مواجهة عسكرية:
دول الخليج:
تخشى ضرب منشآت النفط
انهيار الأسواق
وصول الحرب إلى أراضيها
مصر:
تخشى انفجار إقليمي يهدد الملاحة وقناة السويس
تركيا:
تقود وساطات دبلوماسية
تدرك أن الحرب ستشعل حدودها الجنوبية
الجميع يعلم أن شرارة واحدة في إيران قد تحرق الشرق الأوسط كله.
إيران ليست العراق… والنتائج لن تكون سهلة
واشنطن تعلم أن المواجهة مع طهران تختلف جذريًا عن العراق:
إيران دولة متماسكة
جيش عقائدي قوي
نفوذ إقليمي واسع
قدرات صاروخية متقدمة
وأي حرب ستفتح جبهات في: لبنان – سوريا – الخليج – البحر الأحمر – و ربما القرن الأفريقي.
التداعيات تصل إلى أفريقيا والبحر الأحمر
حرب إيران لن تبقى في الخليج:
تهديد مباشر لمضيق هرمز
اضطراب الملاحة العالمية
ارتفاع أسعار الطاقة
تمدد الصراع نحو البحر الأحمر
وهو ما يضع القرن الأفريقي في قلب العاصفة الجيوسياسية الجديدة، حيث تتقاطع القواعد العسكرية والنفوذ الدولي.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: ضربة محدودة
قصف منشآت استراتيجية لردع إيران دون حرب شاملة.
السيناريو الثاني: حرب إقليمية واسعة
انفجار كل الجبهات من الخليج إلى المتوسط.
السيناريو الثالث: صفقة كبرى
تفاهم أمريكي-إيراني يضمن النفط مقابل النفوذ.
السيناريو الرابع: استنزاف طويل
عقوبات، ضربات متقطعة، وحروب بالوكالة.
الخلاصة: ليست حربًا من أجل الأمن… بل من أجل الثروة
كل الشعارات عن الديمقراطية أو منع النووي ليست سوى غطاء.
الحقيقة البسيطة: النفط هو الهدف، والهيمنة هي الغاية.
وما بين مطامع الشركات، وهواجس إسرائيل، وصراع القوى الكبرى، تقف شعوب المنطقة على حافة كارثة جديدة قد تعيد رسم الشرق الأوسط لعقود قادمة.
صفقات ترامب – الحلقة (23) ..حرب إيران القادمة: من يضغط على الزناد… ومن يدفع الفاتورة؟ .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمودالباحث المختص في الشأن الأفريقي
المقالة السابقة

