لم يكن صلاح أحمد إبراهيم شاعرًا يقيم في اللغة فحسب، ولا دبلوماسيًا يجيد بروتوكول الصمت والبيانات، ولا سياسيًا يناور داخل خرائط المصالح كان في جوهره إنسانًا يرى أن الإبداع موقف، وأن الكلمة مسؤولية وأن السياسة بلا أخلاق ليست سوى شكل آخر من العنف المؤجل.
الشعر الاحتراق بوصفه وعيًا:
__________________
في مقطع (يا مرية) الشهير لا يكتب صلاح عن حبٍ فردي، أو شغف عابر، بل عن توتر الوجود الإنساني نفسه ذلك التوتر الذي يعيشه الشاعر، والسياسي والدبلوماسي على حد سواء.
(ما لعشرينين باتت في سعير تتقلب
ترتدي ثوب عزوف وهي في الخفية ترغب
وبصدرينا بروميثيوس في الصخرة مشدودًا يعذب فبجسم ألف نار.. وبجسم ألف عقرب)
هنا يتحول الشعر إلى مرآة للقرار الأخلاقي
فـ(السعير) ليس نار العاطفة وحدها، بل نار الاختيار القاسي حين تتزاحم الواجبات
و(ثوب العزوف) ليس ترفًا زاهدًا، بل انضباطًا قاسيًا يخفي رغبة في الفعل الصحيح. أما استدعاء (بروميثيوس) فليس تزيينا ثقافيا بل إعلان صريح
الوعي ثمنه الألم، ومن يمنح النار للآخرين يعذّب بها. بهذا المعنى يصبح شعر صلاح أحمد إبراهيم وثيقة أخلاقية لا قصيدة عاطفية فحسب
محطات الإبداع من الذات إلى الوطن:
__________________
مر إبداع صلاح بمحطات واضحة
أ . المرحلة الوجدانية حيث تتشابك الذات بالحب والخسارة
ب . المرحلة الشك وفيها تتقدم الأسئلة الكبرى عن الحرية والهوية والوطن
ح . المرحلة الوطنية الإنسانية حيث يغدو السودان بآلامه وتناقضاته هو النص الأكبر
في كل مرحلة ظل صلاح ثابتا على قناعة واحدة أن الشعر لا ينفصل عن الضمير وأن الجمال بلا موقف مجرد زخرف
الدبلوماسية إدارة النار لا إطفاؤها:
____________________
حين انتقل صلاح أحمد إبراهيم إلى العمل الدبلوماسي لم يخلع عباءة الشاعر والأديب بل ضبطها فالدبلوماسية عنده لم تكن مراوغة بل فن إدارة التوتر
متى تقال الحقيقة كاملة
ومتى تقال مجتزأة
ومتى يترك للصمت أن يؤدي دوره
النار والعقرب في شعره يتحولان هنا إلى طاقة داخلية مضبوطة يعرف الدبلوماسي الناضج كيف يوظفها دون أن تحرق الموقف أو تفقده إنسانيته
وهنا خطرت لي خاطر أن صلاح والسفر محمد عبد الله يلاقيان في كثير من المواقف
مقارنة صلاح أحمد إبراهيم ومحمد عبد الله الأزرق :-
__________________
وإذا أردنا أن نعقد مقارنة وجيزة فإن السفير محمد عبد الله الأزرق يلتقي مع صلاح أحمد إبراهيم في النسب الإبداعي قبل النَّسَب الوظيفي كلاهما ينتمي إلى سلالة نادرة من الدبلوماسيين الذين
يفكرون بلغة الأدب،
ويكتبون بعقل الدولة،
ويديرون العمل العام بروح المثقف لا ببرود الموظف الأزرق مثل صلاح يستخدم لغة رفيعة لا للتجميل بل لإعادة ضبط المعنى
ويشبهه في أن الدبلوماسية عنده ليست مجرد تفاوض بل سرد عقلاني للأمة عن نفسها أمام العالم
كلاهما يدرك أن البيان الدبلوماسي قد يكون قصيدة مقنّعة وأن الجملة الدقيقة قد تنقذ ما تعجز عنه الجيوش
السياسة اختبار الضمير
في تجربة صلاح أحمد إبراهيم السياسة ليست مسرحا للأدوار بل محكًّا أخلاقيًا
السياسي النزيه مثل (بروميثيوس) يدفع ثمنا مضاعفا يعرف الحقيقة ويعرف ألم ومع ذلك لا يتراجع
صلاح الإنسان قبل كل شيء:
________________
في شعره وفي مواقفه وفي مسيرته يضع صلاح أحمد إبراهيم الإنسان في المركز
الإنسان المتردد،
المتألم،
المسؤول،
والمضطر إلى الاختيار في عالم لا يقدم خيارات سهلة
هنا يتوحد الشاعر الذي يرى،
والدبلوماسي الذي يصبر،
والسياسي الذي يتحمل
والسوداني الذي يعرف أن أرضه قاسية لكنها تستحق الصبر والحب
وهكذا لا يبقى صلاح أحمد إبراهيم اسما في ديوان أو أرشيف
بل ضميرا حيّا يذكرنا بأن الإبداع الحقيقي هو أن تظل إنسانيًا .. حين يكون ذلك هو الخيار الأصعب.


