في الجغرافيا السياسية الكلاسيكية، لم تكن إيران مجرد دولة شرق أوسطية، بل عقدة تماس بين عوالم كبرى. فهي تمتد على تخوم الكتلة الأوراسية التي اعتبرها منظّرو الجيوبوليتيك قلب العالم، وتطل في الوقت نفسه على فضاءات الخليج والمحيط الهندي حيث النفوذ البحري الغربي. وفي التصورات الفكرية للمفكر الروسي Alexander Dugin، تمثل إيران جزءاً من محور “البرّ” في مواجهة المنظومة الأطلسية التي تقودها الولايات المتحدة. بهذا المعنى، فإن أي مواجهة عسكرية بينها وبين واشنطن أو تل أبيب لا تُقرأ فقط في سياق إقليمي، بل ضمن صراع أوسع على توازن القوى في أوراسيا.
إذا لم تحقق الضربات الجوية الأمريكية–الإسرائيلية أهدافها في ايران ، سواء في إضعاف البرنامج النووي أو تقليص البنية الصاروخية، فإن الخيارات المتاحة ستتراوح بين توسيع نطاق الضربات وبين البحث عن أدوات ضغط غير تقليدية. التصعيد الجوي الممتد يظل الخيار الأقل كلفة سياسياً مقارنة بغيره، إذ يسمح بإدامة الضغط دون التورط في اجتياح بري . غير أن تجارب العقود الماضية تشير إلى أن القوة الجوية وحدها نادراً ما تُحدث تحولاً استراتيجياً حاسماً، خصوصاً في دول تمتلك عمقاً جغرافياً وبنية أمنية متماسكة مثل ايران .
أما الاجتياح البري، فيبقى احتمالاً نظرياً أكثر منه عملياً. إيران دولة ذات مساحة واسعة وتضاريس معقدة، وتمتلك جيشاً نظامياً إضافة إلى منظومات تعبئة عقائدية. أي تدخل بري سيحمل مخاطر تحول الصراع إلى حرب إقليمية مفتوحة، مع استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج والعراق، وربما تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. من منظور الحسابات الواقعية، تبدو كلفة هذا الخيار أعلى بكثير من عوائده المحتملة.
يبقى خيار العمليات الخاصة والحرب الاستخبارية أحد المسارات المرجحة إذا فشلت الضربات التقليدية. هذا المسار قد يستهدف تعطيل قدرات نوعية أو إرباك مراكز القرار. غير أن الرهان على تغيير النظام من الداخل عبر أدوات سرية يواجه تحديات بنيوية، أبرزها صلابة المؤسسات الأمنية، وإمكانية أن يؤدي أي فراغ مفاجئ إلى فوضى إقليمية يصعب احتواؤها. كما أن توظيف التباينات القومية داخل إيران، بما في ذلك المسألة الكردية، يحمل مخاطر تفكك غير منضبط قد يمتد أثره إلى دول الجوار.
في المقابل، فإن إسرائيل تنظر إلى التصعيد من زاوية أمنها المباشر. فإذا كثفت إيران هجماتها أو توسع نطاق الرد عبر حزب الله في لبنان، فإن تل أبيب قد تجد نفسها أمام جبهة متعددة الاتجاهات. الرد الإسرائيلي في هذه الحالة قد يتخذ طابع الضربات الاستباقية الواسعة ضد البنى الصاروخية، مع محاولة الحفاظ على تفوق جوي حاسم. غير أن المواجهة الممتدة مع حزب الله تعني انخراطاً في حرب استنزاف ذات كلفة بشرية واقتصادية عالية، ما يفرض على إسرائيل موازنة دقيقة بين الردع والتصعيد.
على المستوى الأوروبي، تميل المملكة المتحدة إلى الاصطفاف سياسياً مع واشنطن بحكم الشراكة الأطلسية، مع إبقاء انخراطها العسكري في حدود الدعم اللوجستي والاستخباري ما لم تتوسع الحرب رسمياً. وقد أشارت تقارير إلى استخدام قاعدة RAF Fairford لهبوط طائرات عسكرية أمريكية، في مؤشر على جاهزية لوجستية أكثر منها إعلان مشاركة مباشرة. أما فرنسا، بقيادة الرئيس ايمانويل ماكرون ، فتميل إلى خطاب التهدئة، خصوصاً في ما يتعلق بالساحة اللبنانية، انطلاقاً من حساسيتها التاريخية تجاه استقرار المتوسط.
روسيا، من جهتها، تنظر إلى إيران باعتبارها شريكاً في توازن القوى الأوراسي. تصريحات دبلوماسية روسية أكدت وقوف موسكو السياسي إلى جانب طهران، لكن هذا الدعم سيظل محكوماً باعتبارات عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الغرب. فروسيا تدرك أن توسيع نطاق الحرب قد يفتح جبهة إضافية في لحظة دولية شديدة التعقيد.
اخيرا ، تبدو إيران اليوم نقطة اختبار لمعادلة “البرّ والبحر” التي تحدث عنها المنظّرون الجيوبوليتيكيون. فشل الضربات الجوية في تحقيق أهدافها لن يدفع بالضرورة إلى اجتياح بري شامل، لكنه سيزيد من تعقيد المشهد عبر أدوات تصعيد غير مباشرة، وحروب ظل، وضغوط متعددة المستويات. وفي فضاء أوراسيا المتشابك، قد لا يكون السؤال من سينتصر عسكرياً، بل من سينجح في إدارة التوازنات دون أن تنفلت المنطقة إلى مواجهة كبرى تعيد رسم معادلة النفوذ الدولي .
الحرب علي إيران بين الأطلسي وأوراسيا (الحلقة الثانية) .. بقلم/ د. اسماعيل الناير .. باحث استراتجى .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية
المقالة السابقة


