بين أطروحة العودة وشرط الإصلاح قراءة في ما تفضل به الدكتور محمد المجذوب
يأتي هذا المقال ردًّا وتفاعلًا مع ما تفضل به الدكتور محمد المجذوب حول ضرورة عودة النخبة الإسلامية والوطنية إلى الحكم، وهو طرح يكتسب أهميته من خطورة اللحظة التي يعيشها السودان ومن تعقيد بيئته الجيوسياسية، ومن الانكشاف غير المسبوق الذي أصاب الدولة في أعقاب انهيار منظومة الحكم بعد سقوط الإنقاذ.
لقد أصاب الدكتور المجذوب كبد الحقيقة حين وضع موقع السودان في قلب التحليل باعتباره دولة مركزية في معادلات الإقليم والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وأن استقراره لم يعد شأنًا داخليًا صرفًا بل مسألة أمن إقليمي ودولي كما أصاب حين ربط بين ضعف النخبة الحاكمة بعد الفترة الانتقالية وبين انفجار الحرب وتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية وتصفية الحسابات الإقليمية.
غير أن التفاعل الإيجابي مع هذه الأطروحة لا يكتمل إلا باستدعاء سؤال جوهري لا يجوز القفز فوقه وهو:أي عودة نريد؟ وبأي شروط؟
فالدعوة إلى عودة النخبة الإسلامية والوطنية إن لم تؤسس على مراجعة صريحة للتجربة الماضية فإنها ستفهم عن حق باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج الأزمة لا تجاوزها إن الحركة الإسلامية رغم ما تملكه من خبرة في إدارة الدولة وانتشار اجتماعي وكوادر مؤهلة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالاعتراف بأن تجربتها في الحكم لم تكن معصومة من الخطأ فقد شابها في مراحل عديدة تغليب التنظيم على الدولة وضعف الممارسة الديمقراطية الداخلية وتقييد الحريات وسوء إدارة التنوع السياسي والفكري الأمر الذي أضعف الدولة وفتح الباب أمام خصوم الداخل وتربص الخارج معا وفي المقابل أثبتت تجربة ما بعد الإنقاذ أن إقصاء الإسلاميين والنخب الوطنية لم يؤد إلى ديمقراطية ولا إلى استقرار بل أفضى إلى فراغ استراتيجي خطير تولت قوى خارجية ملأه عبر واجهات مدنية ضعيفة عاجزة عن إدارة الدولة أو حماية سيادتها وهنا يلتقي النقد مع ما ذهب إليه الدكتور المجذوب في تشخيص مأزق النخب الانتقالية وفشلها الذريع في إدارة البلاد لكن الخروج من هذا المأزق التاريخي يقتضي الانتقال من منطق العودة بوصفها حقًا إلى منطق العودة بوصفها مسؤولية مشروطة عودة تقوم على تأسيس جسم سياسي وتنظيمي جديد واسع يتجاوز أحزاب الماضي وحمولاتها النفسية والتنظيمية ويستوعب الإسلاميين، والوطنيين والمستقلين على قاعدة برنامج وطني لا ولاءات مغلقة. كما تقتضي هذه العودة التزامًا واضحًا لا لبس فيه بمبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة والفصل بين الدعوي والسياسي وبين التنظيم والدولة حتى لا تتحول الدولة مرة أخرى إلى أداة صراع أيديولوجي أو غنيمة حزبية.
إن ما أشار إليه الدكتور المجذوب من ضرورة بناء دولة قوية قادرة على حفظ الأمن الإقليمي وضبط علاقاتها مع الجوار على أساس المصالح المتبادلة يظل طرحًا صحيحًا، لكن هذه القوة لا يمكن أن تبنى بالأجهزة وحدها بل بالمشروعية السياسية والرضا الشعبي والمؤسسات العادلة فالدولة القوية في عالم اليوم هي الدولة التي تجمع بين السيادة والشرعية بين الأمن والحرية بين الكفاءة والمساءلة
وفي عالم متعدد الأقطاب تتراجع فيه الهيمنة المطلقة وتتصاعد فيه أدوار اللاعبين الإقليميين يصبح السودان بحكم موقعه إما ركيزة للاستقرار أو بؤرة للفوضى وهذا ما يجعل قيام نخبة وطنية رشيدة ضرورة لا خيارا لكن بشرط أن تكون نخبة تعلمت من أخطائها وتجدد أدواتها وتضع مصلحة الدولة فوق مصلحة التنظيم والإنسان فوق الشعارات.
خلاصة القول إن ما طرحه الدكتور محمد المجذوب يفتح نقاشا ضروريا حول مستقبل الحكم في السودان لكنه نقاش لا يكتمل إلا بالإقرار بأن لا عودة بلا مراجعة ولا سلطة بلا شرعية ولا استقرار بلا ديمقراطية فالسودان لا يحتمل إقصاءً جديدا كما لا يحتمل تكرارا أعمى للماضي وإنما يحتاج إلى مشروع وطني جامع يستلهم الخبرة ويتجاوز الأخطاء ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الحكم عقدا مع الشعب لا وصاية عليه.

