تقوم الواقعية البنيوية، كما صاغها كينيث والتز، على فرضية حاسمة مفادها أن بنية النظام الدولي -لقائمة على الفوضى وغياب سلطة مركزية- هي العامل المحدِّد لسلوك الدول، لا نواياها ولا خطاباتها الأخلاقية. ووفق هذا المنظور، فإن التنافس المتصاعد حول جزيرة غيرنلاند لا يمكن قراءته كخلاف جغرافي محدود، بل كعرض كاشف لتحول أعمق في توزيع القدرات داخل النظام الدولي، حيث يتراجع التفوق الأمريكي النسبي، ويصعد منافسون يسعون لإعادة ضبط ميزان القوة.
في هذا السياق البنيوي، يتحول القطب الشمالي من هامش استراتيجي إلى مركز صراع. ذوبان الجليد، وما كشفه من ممرات بحرية وموارد نادرة، أعاد تعريف القيمة الاستراتيجية للجغرافيا الباردة. غيرنلاند، تحديدًا، تمثل نقطة ارتكاز في معادلة الردع، فهي جزء من منظومة الإنذار المبكر الأمريكية، وفي الوقت ذاته امتداد للسيادة الأوروبية عبر الدنمارك. هذا التداخل يعكس ما يسميه والتز “ضغط البنية”، حيث تُجبر الدول على تعظيم أمنها في بيئة غير يقينية.
السلوك الأمريكي تجاه غيرنلاند ينسجم مع منطق الواقعية الهجومية كما صاغه جون ميرشايمر، الذي يرى أن القوى الكبرى، في ظل الفوضى الدولية، لا تكتفي بالحفاظ على توازن القوة، بل تسعى إلى تعظيم حصتها منه ومنع الخصوم من الاقتراب من مناطقها الحيوية. القلق الأمريكي من التمدد الروسي–الصيني في القطب الشمالي لا يتعلق فقط بالموارد، بل بالخوف من اختراق العمق الاستراتيجي الأمريكي، وتآكل ميزة “العزلة الجغرافية” التي طالما وفرت حماية طبيعية للولايات المتحدة.
في المقابل، يعكس الموقف الأوروبي -ولا سيما الفرنسي- قراءة مختلفة لبنية النظام. ففرنسا، التي تتبنى مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”، ترى أن الهيمنة الأمريكية المستمرة تُبقي أوروبا في موقع تابع داخل نظام يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة. رفض باريس للتغول الأمريكي على غيرنلاند لا ينبع من خلاف قيمي، بل من إدراك واقعي بأن توزيع القدرات داخل المعسكر الغربي ذاته بات موضع إعادة تفاوض، وهو ما ينسجم مع طرح والتز حول غياب الانسجام الدائم حتى بين الحلفاء.
أما روسيا والصين، فتتحركان وفق منطق موازنة القوة الذي يعد أحد أعمدة الواقعية البنيوية. روسيا أعادت عسكرة القطب الشمالي باعتباره عمقًا دفاعيًا يعوض اختلالاتها الاقتصادية، بينما تتقدم الصين عبر ما يمكن وصفه بـ”القوة الكامنة”، مستخدمة الاقتصاد والبنية التحتية والمعرفة العلمية دون مواجهة مباشرة. هذا التلاقي، الذي لا يرقى إلى تحالف صلب، يجسد ما يسميه ميرشايمر “التنسيق البراغماتي ضد المهيمن”.
في هذا الإطار، يكتسب الخطاب الكندي في منتدى دافوس حول تحولات النظام الدولي أهمية خاصة. كندا، بوصفها قوة متوسطة، تدرك -وفق منطق والتز- أن فترات انتقال القوة هي الأكثر خطورة، حيث ترتفع احتمالات الصراع ويتراجع دور المؤسسات الدولية. الحديث عن عالم “أقل قابلية للتنبؤ” يعكس إدراكًا بنيويًا بأن النظام الليبرالي القائم على القواعد يفسح المجال لمنطق القوة الصلبة.
غير أن جوهر التحول البنيوي لا يتجلى فقط في صراعات المركز، بل في كيفية انعكاسها على الأطراف. هنا يستحضر تحليل روبرت جيليبين حول “انتقال القوة”، حيث يرى أن كلفة إعادة تشكيل النظام الدولي لا تتحملها القوى الكبرى وحدها، بل تُصدَّر إلى مناطق الهشاشة. القرن الإفريقي يمثل مثالًا صارخًا على ذلك. فالاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند لا يمكن فصله عن سباق النفوذ في البحر الأحمر، بل يندرج ضمن منطق إعادة توزيع السيطرة على الممرات الحيوية، بمعزل عن الاعتبارات القانونية أو المعيارية.
وتندرج أزمات إيران وحرب اليمن في السياق ذاته. إيران، كقوة إقليمية محكومة بقيود بنيوية، تلجأ إلى توسيع نفوذها في بيئات غير مستقرة لتعويض اختلال ميزان القوة، بينما يتحول اليمن إلى ساحة استنزاف تُدار فيها حسابات الردع الإقليمي والدولي. وفق جيليبين، هذه الصراعات ليست استثناءً، بل جزء من “تكلفة الانتقال” داخل نظام دولي مأزوم.
في قلب هذه الفسيفساء يقف السودان. فالحرب الدائرة لم تعد صراعًا معزولًا، بل وظيفة بنيوية في نظام إقليمي مفكك. مليشيا الدعم السريع تمثل نموذج الفاعل المسلح من غير الدول، الذي يسمح له انهيار التوازنات بالتمدد والارتباط بشبكات دعم خارجية. تطور أشكال التدخل، بما فيها الدور الإماراتي المتنامي في إدارة الصراعات عبر الوكلاء، يعكس -فق ميرشايمر- تحولًا نحو أنماط نفوذ أقل كلفة وأكثر مرونة في بيئة عالية المخاطر.
من هذا المنظور، لا يبدو الربط بين غيرنلاند والخرطوم مجازيًا، بل بنيويًا. فالصراع في المركز يعيد توزيع القدرات، بينما تُدار كلفته في الأطراف. الجغرافيا الباردة تُحصَّن، والجغرافيا الساخنة تُستنزف. وفي غياب سلطة دولية قادرة على فرض الاستقرار، تظل هذه الدينامية مرشحة للاستمرار.
و أخيرًا، كما توحي الواقعية البنيوية، أن العالم لا يمر بأزمة أخلاق وحسب، بل بأزمة بنية. ومن لا يقرأ موقعه داخل هذه البنية، سيظل يدفع ثمن صراعات لم يصنعها، لكنه يعيش نتائجها.
غيرنلاند وإعادة توزيع القوة: قراءة بنيوية .. بقلم/ د.إسماعيل الناير عثمان .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية
المقالة السابقة


