(1)
حين خرج الفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي” في خطابه الأخير، كان المشهد أقرب إلى لحظةٍ بين الاعتراف والاعتذار، وبين الدفاع والهجوم. بدا كمن أُجبر على الكلام بعد طول صمت، لا ليعلن موقفًا، بل ليُبرّر مأزقًا.
(2)
الحدث الذي فجّر الظهور لم يكن سياسيًا بقدر ما كان قبليًا مؤلمًا: مقتل ناظر (المجانين) وعدد من العمد والمشايخ في منطقة تُعد معقلًا لقوات الدعم السريع. إنها حادثة هزّت دارفور وكردفان كما تهزّ الريحُ خيمةً متعبة بعد موسم طويل من الحرب.
(3)
حميدتي، بذكائه المعروف، فهم أن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُحتمل، وأن الجرح إذا تُرك دون كلمة يزداد عمقًا. فاختار أن يتحدث، لا بلسان القائد العسكري، بل بلهجةٍ تحاول ارتداء ثوب الحكيم الحليم، الذي يشرح لا يهدّد.
(4)
في مستهل كلمته، تحدّث عن “الظلم والتشويه” اللذين يُمارسان ضده، وكأنّه يقول: “يا جماعة، أنا المظلوم لا الظالم.” كانت نبرة الخطاب أقرب إلى الدفاع القانوني منها إلى الخطاب السياسي، كأنّه في قاعة محكمة لا في ساحة حرب.
(5)
والحق يُقال، بدا الرجل أكثر هدوءًا من عادته. لا عصبية ولا انفعال، بل لغة فيها شيء من التجمّل السياسي بعد سلسلة من الخطب التي كانت تشتعل نيرانًا. وكأنّ أحدًا همس له: “يا حميدتي، خفّف النبرة… الناس تعبت من الصراخ.”
(6)
الخطاب حمل نَفَسًا تصالحيًا في ظاهره، لكنه أخفى تحت سطوره وجعًا سياسيًا عميقًا. فالحاضنة القبلية التي طالما شكّلت درعه الاجتماعي بدأت تتصدّع، وصرخات العمد والنظار الغاضبين صارت تصل إلى مسامع العالم.
(7)
حين استدعى حميدتي رمزية الإدارة الأهلية ووصفها بأنها “الضامن الحقيقي للاستقرار”، كان يحاول ترميم الجسور التي انهارت. لسان حاله يقول: “نحن وإياكم في مركبٍ واحد، فدعونا لا نغرق معًا.” بلاغةُ استعطاف أكثر منها بلاغةُ سلطة.
(8)
لكن خلف تلك البلاغة الطيّبة، تلوح رسالة سياسية دقيقة: أن الرجل لا يزال يعتبر الإدارة الأهلية أحد أعمدة بقائه الرمزية. فالحرب، في السودان، ليست فقط دبابات وطائرات، بل أيضًا توازنات قبائل وعواطف شيوخ وبيانات مشايخ.
(9)
المفارقة أن حميدتي تحدّث عن “السلام” أكثر من مرّة، وكأنّه يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع الجمهور. السلام كلمة جميلة، لكنها تخرج من فم قائدٍ في حربٍ مشتعلة فتصبح مثل وردةٍ تنبت في الرماد — جميلة، لكنها لا تعيش طويلًا.
(10)
وفي الفقرة الأشدّ طرافة، قال إنه “منفتح على كل من يريد السلام”، فذكّرنا بمقولةٍ سودانية قديمة: “الباب البجرّ الهواء ما بتقفلوا.” دعابة القدر أن الرياح في تلك اللحظة لم تكن رياح سلام، بل عواصف من الشك والاتهام.
(11)
أوساط الإدارة الأهلية انقسمت كما ينقسم القمر في ليلةٍ غائمة. البعض رحّب بحديثه وعدّه بادرة مسؤولية، والبعض الآخر رأى فيه محاولةً لتبييض الوجه بعد أن لوّثته دماء الحادثة. أما الجمهور، فبقي يتفرّج بين الإعجاب والريبة.
(12)
على وسائل التواصل الاجتماعي، انطلقت الحملات كأنها مباراة كرة قدم بين فريقين لا يريد أحدهما أن يخسر. التيار المؤيد نشر مقتطفات تُبرز “وطنية حميدتي”، بينما التيار الوطني رأى فيه تمثيلية سياسية متقنة، نصفها عاطفة ونصفها دماء.
(13)
المشهد الرقمي كان صاخبًا: اسم “ناظر المجانين” تصدّر الوسوم، وصورته صارت رمزًا، ليس فقط لرجلٍ قُتل ظلمًا، بل لفكرة “الزمن الذي فقد حكمته”. أما خطاب حميدتي فبقي معلّقًا بين الشرح والتبرير، بين “كنتُ مجبرًا” و“لم أكن أعلم”.
(14)
وفي ختام الكلمة، حاول الرجل أن يُمسك العصا من المنتصف: مدّ يدًا للسلام وأخرى للتبرير. بدا كمن يريد أن يطفئ النار بالنفخ، لكن الريح تعاند. وبين أنين الضحايا وصخب السياسة، بدا الخطاب أقرب إلى صوت دفاع ذاتي أكثر منه مشروع مصالحة.
(15)
النتيجة؟ خطابٌ يشبه لوحة طفل صغير غير مكتملة: فيها ألوان متشاكسة، وخطوط الاتهام، وظلالٌ من الحيرة. حميدتي لم يُعلن انتصارًا، ولم يعترف بخسارة، لكنه قدّم نفسه كمَن يُريد الغفران دون أن يعتذر، ويرجو السلام دون أن يضع السلاح. ومهما اختلفت القراءات، فإن السودان يبقى المسرح الذي تتقاطع فيه البلاغة بالدم، والبيان بالألم، والدعابة بالدمعة.
