Popular Now

تقرير استراتيجي رقم (8) .. الإمارات العربية ومستقبل قوات الدعم السريع في ظل التصعيد الأمريكي والإقليمي .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب – الباحث المختص في الشأن الأفريقي

الحرب علي إيران بين الأطلسي وأوراسيا (الحلقة الثانية) .. بقلم/ د. اسماعيل الناير .. باحث استراتجى .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

مسارات .. الديمقراطية في السودان بعد الحرب: معركة بناء الدولة لا مجرد انتقال للسلطة .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

مآلات مشروع الجندر .. من الدعوة إلى مساواة المرأة .. إلى الحق في التحول إلى الجنس الآخر .. بقلم/ الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير مستشار في السياسات العامة .. الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

مقدمة
كان الحافز لكتابة هذه المادة ما نشرته جريدة القدس في عددها بتاريخ تاريخ النشر: 13 فبراير 2023 بعنوان : نقاشات غربية: من هي المرأة وكيف نعرف الرجل، وقد ورد في المقال النقاش الذي وجهت بموجبه عضوة في الكونغرس سؤالاً مفاجئاً لوزير الصحة الأمريكي، الذي كان قد صرّح سابقاً بما يُفهم منه أن الولادة لا تقتصر على النساء. فسألته: ما تعريف كلمة «رجل»؟ فأجاب مازحاً: «أنتِ تنظرين إلى رجل». ثم سألته: «هل يلد الرجل؟».
ردّ بعبارة دبلوماسية مفادها أن الإجابة معروفة وواضحة، إلا إذا كان لدى السائلين علمٌ غير الذي لديه. ويثير النقاش إلى أن القضية لم تعد تقف عند الفروق الطبيعية بين الرجال والنساء، بل تجاوزتها إلى تشريعات وسياسات ترتبط بثقافة الجندر، مثل إقرار الزواج المثلي في بعض البلدان، وإتاحة التحول الجنسي من رجل إلى امرأة أو العكس، فيما يُعرف بالعبور أو التغيير الجنسي.
الاختلاف بين المرأة والرجل
أدّى الاختلاف البيولوجي التكويني بين الرجل والمرأة إلى تمايز في الصفات الجسدية وبعض السمات النفسية والانفعالية. وانعكس ذلك تاريخياً في تباين الأدوار الاجتماعية والأنشطة التي مارستها المجتمعات البشرية عبر العصور. كما نشأت عبر التاريخ مظاهر ثقافية مختلفة تميز بين الجنسين، مثل أنماط الزينة والملبس وتسريحات الشعر وبعض العادات الاجتماعية. وقد جاءت هذه المظاهر في سياق ثقافي واجتماعي يهدف إلى تنظيم الحياة العامة وتحديد الأدوار داخل المجتمع.
ومن خلال التراكم الثقافي وعملية التنشئة الاجتماعية نشأ مفهوم النوع الاجتماعي، حيث يتربى الرجال والنساء ضمن منظومات من القيم والتقاليد والمعايير التي تحدد ما يُنتظر من كل منهما. وقد ظل هذا البناء مستقراً لقرون طويلة، منذ عصور الصيد والزراعة والحصاد، مروراً بالأعمال المرتبطة بالحياة اليومية مثل جلب الماء والوقود وركوب البحر والحروب، وصولاً إلى المهن الحديثة في الطب والتعليم والخدمات المختلفة.
أدوار الحياة بين المرأة والرجل
أسهمت التنشئة الاجتماعية في توزيع الأدوار بين الرجال والنساء. فهناك الدور الإنجابي المرتبط بالحمل والولادة والرضاعة وما يترتب عليه من مسؤوليات رعاية الأطفال وتربيتهم، وهو دور تؤديه المرأة أساساً، بينما يساندها الرجل بدرجات متفاوتة.
كما ارتبطت بالمرأة تقليدياً أدوار الرعاية المنزلية وإدارة شؤون الأسرة، إلى جانب أدوار اجتماعية وثقافية تسهم في استدامة المجتمع وتطوره. وفي المقابل نشأت أدوار تقليدية للرجال تتعلق بالكسب والعمل الخارجي والحماية، وهي أدوار ارتبطت في كثير من المجتمعات بالأنشطة التي تتطلب جهداً بدنياً أو مواجهة المخاطر.
ومع ذلك، ظل هناك مجال واسع للأدوار المشتركة، خاصة في مجالات الإنتاج الاقتصادي والعمل العام والخدمات المختلفة. كما تطور الدور السياسي ليتيح مشاركة الرجال والنساء في صنع القرار العام. وغالباً ما لخّصت الأدبيات التقليدية هذه الأدوار في صيغة عامة مفادها أن دور الرجل يرتبط بالكسب والحماية، بينما يرتبط دور المرأة بالإنجاب والرعاية والتنشئة.
غير أن تحليل هذه الأدوار في الثقافات المختلفة كشف عن وجود تفاوتات في توزيع المسؤوليات والعوائد المادية والمعنوية المرتبطة بها، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول العدالة بين الجنسين، وقاد إلى الدعوة لإزالة الفوارق غير العادلة بينهما. وقد بدأ هذا النقاش في الأوساط الأكاديمية، خصوصاً لدى من تبنوا نظريات الصراع الاجتماعي التي تقوم على مفاهيم مثل القاهر والمقهور، والمركز والهامش.

بداية مشروع الجندر
تعود جذور فكرة النوع الاجتماعي إلى عدد من النظريات الاجتماعية الحديثة. ومن بين الخلفيات الفكرية التي أثرت في النقاش حول العلاقة بين الرجل والمرأة نظريات الصراع الاجتماعي، ومن أبرزها أطروحات كارل ماركس حول الصراع داخل البنى الاجتماعية.
وقد استخدم بعض المفكرين هذه المقاربة لتحليل العلاقة بين الجنسين باعتبارها علاقة قوة داخل الأسرة والمجتمع، حيث يُنظر إلى الرجل بوصفه الطرف المهيمن والمرأة بوصفها الطرف الأقل حظاً في الحقوق والفرص، خاصة في المجتمعات الغربية خلال فترات تاريخية معينة.
وفي هذا السياق نشأت حركة مطلبية واسعة تدعو إلى تحقيق المساواة بين الرجال والنساء. وقد بدأت المطالب بالمساواة في الأجور، ثم توسعت لتشمل فرص العمل والترقي الوظيفي والمشاركة السياسية.
ومع مرور الوقت انتقل النقاش إلى المؤسسات التشريعية الوطنية ثم إلى المنظمات الدولية، حيث صيغت اتفاقيات وسياسات تهدف إلى إزالة الفوارق بين الجنسين في مختلف المجالات.
وقد انعكس ذلك في السياسات العامة للدول، مثل مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي، وتكافؤ الفرص في التوظيف، والمشاركة في المناصب القيادية في المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية والعسكرية والدبلوماسية.
كما ظهرت أدوات مؤسسية مثل الإحصاءات الجندرية والمراجعات الجندرية لضمان تطبيق هذه السياسات في الواقع العملي.
انتقال النقاش إلى داخل الأسرة
لم يقتصر مفهوم الجندر على السياسات الاقتصادية والإدارية، بل امتد إلى المجال الثقافي والاجتماعي، وصولاً إلى مناقشات داخل الأسرة نفسها.
فقد أُعيد طرح أسئلة حول طبيعة الأدوار داخل المنزل: أيُّها ناتج عن الطبيعة البيولوجية، وأيُّها مكتسب بفعل الثقافة والعادات؟ ومن هنا ظهرت دعوات لتقاسم الأدوار المنزلية بين الزوجين، مثل إعداد الطعام وتنظيم المنزل ورعاية الأطفال، بوصف ذلك جزءاً من تحقيق المساواة داخل الأسرة.
نتائج اجتماعية غير متوقعة، وحياة بلا أطفال
مع اتساع النقاش حول المساواة بين الجنسين ظهرت تحولات اجتماعية لم تكن دائماً متوقعة، خصوصاً في بعض المجتمعات الغربية. فقد تأخر سن الزواج لدى كثير من الشباب، أو ازداد العزوف عنه، كما تراجعت معدلات الإنجاب في عدد من البلدان الصناعية. ويربط بعض الباحثين هذه الظواهر بتغير أنماط الحياة والأدوار الاجتماعية.
كما ارتفعت معدلات الطلاق في بعض المجتمعات، في الوقت الذي ارتفع فيه متوسط العمر، مما أدى إلى ظهور ظاهرة شيخوخة المجتمع في عدد من الدول المتقدمة، حيث تزداد نسبة كبار السن مقارنة بالفئات الشابة. وفي الوقت نفسه تطورت تقنيات الطب الإنجابي، مثل حفظ البويضات والحيوانات المنوية في بنوك متخصصة، وتقنيات الإخصاب المساعد، مما أتاح إمكانات جديدة للإنجاب خارج الإطار التقليدي للأسرة.
تحولات في مفهوم الأسرة
ظهرت كذلك في بعض المجتمعات أنماط جديدة من العلاقات الأسرية، مثل الشراكات المثلية، وهو ما أدى إلى الاعتراف القانوني بالزواج المثلي في عدد من الدول. وقد أثار ذلك نقاشات دينية وأخلاقية واسعة، خاصة في المجتمعات ذات الخلفيات الدينية المحافظة. ويرى منتقدو هذه التحولات أن الابتعاد عن النموذج التقليدي للأسرة قد يؤدي إلى تغيرات عميقة في البناء الاجتماعي والقيمي، بينما يرى المؤيدون أنها تعبير عن توسيع نطاق الحريات الفردية وحقوق الإنسان.
من المساواة إلى قضايا الهوية الجندرية
في العقود الأخيرة توسع النقاش ليشمل مفهوم الهوية الجندرية، وهو مفهوم يميز بين الجنس البيولوجي (ذكر أو أنثى) وبين الهوية التي يشعر بها الفرد تجاه نفسه.
وفي هذا الإطار ظهرت مطالب بمنح الأفراد حرية أكبر في تعريف هويتهم الجندرية، بل وفي إجراء عمليات التحول الجنسي من ذكر إلى أنثى أو العكس في بعض الحالات. كما تبنت بعض الدول تشريعات تسمح بتغيير الهوية الجندرية في الوثائق الرسمية، وناقشت أنظمتها الصحية والتعليمية مسائل مثل استخدام أدوية تؤخر البلوغ أو دعم إجراءات التحول الجنسي.
الجدل السياسي والقانوني
ولا تزال قضايا التحول والزواج المثلي مثار جدل حاد بين مؤيدين يرونها جزءاً من حقوق الفرد، ومعارضين يرون أنها تتعارض مع الطبيعة البيولوجية أو مع القيم الدينية والاجتماعية. أدى اتساع النقاش إلى ظهور جدل سياسي وقانوني في بعض البرلمانات والمؤسسات الحكومية حول تعريف الرجل والمرأة، وحول حدود السياسات المتعلقة بالهوية الجندرية.
وقد أُثيرت تساؤلات تتعلق بمجالات الرياضة، وتصميم المرافق العامة، والسجون، والتعليم، وحقوق الأطفال، وكيفية التوفيق بين الحريات الفردية وحماية المجتمع.
وتُعد هذه القضايا من أكثر موضوعات النقاش حساسية في المجتمعات المعاصرة، إذ تتقاطع فيها اعتبارات علمية وقانونية وأخلاقية ودينية.
خاتمة
بدأ مفهوم الجندر في سياق المطالبة بتحقيق المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والفرص، وهو مطلب ارتبط بإزالة أشكال التمييز التي تعرضت لها النساء في مجالات العمل والتعليم والمشاركة العامة. غير أن النقاش توسع لاحقاً ليشمل قضايا اجتماعية وثقافية أوسع، وصولاً إلى موضوعات الهوية الجندرية والتحول الجنسي، وهي قضايا ما تزال محل جدل واسع في الفكر المعاصر.
ولا يزال النقاش محتدماً بين من يركز على مبادئ المساواة والحرية الفردية، وبين من يؤكد أهمية مراعاة الطبيعة البيولوجية والقيم الثقافية والدينية التي تشكلت عبرها المجتمعات عبر التاريخ. وهذه المادة مختصر لورقة تفصيلية أعدّها الكاتب تحت العنوان نفسه.
الصادق عبدالله أبوعيّاشة
6 مارس 2026

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي .. ندعم مطالب ستات الشاي ، ومطالب كل الفئات الضغيفة ، ونتصدي لمحاولات استغلالها سياسيا

المقالة التالية

🚩 تقرير استراتيجي: “فخ إيران” والمنعطف الجيوسياسي الأخير .. (قراءة في تقاطع نبوءات جيانغ ودوغين مع شفرة الأثر الشريف) . بقلم/ د. محمد الخاتم تميم

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *