Popular Now

قانون الاستحواذ العدائي الامريكي والدور الذي تلعبه الامارات العربية المتحدة في حربها بالوكالة ضد السودان .. بقلم/ د. بابكر عبدالله محمد علي

ما بين فاي وباي باي… يكمن جبر الخواطر .. بقلم/ د. أحمد الطيب السماني .. باحث وأكاديمي

وجه الحقيقة | إنقاذ المليشيا أم إنهاء الحرب؟.. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

ما بين فاي وباي باي… يكمن جبر الخواطر .. بقلم/ د. أحمد الطيب السماني .. باحث وأكاديمي

في شهر رمضان، شهر البدايات الكبرى والتحوّلات العميقة، تتقاطع الذاكرة مع الأمل. هو الشهر الذي انطلقت فيه الحرب قبل ثلاثة أعوام، وهو الشهر ذاته الذي نرجو أن تكون فيه نهايتها. كأن الزمن أراد أن يعلّمنا درسًا بلغة مختلفة؛ لا بلغة السلاح، بل بلغة المعنى.

دعونا نقترب من هذا المعنى عبر رمزٍ رياضي بسيط في شكله، عظيم في أثره: العدد فاي (π).

العدد فاي ليس رقمًا ضخمًا ولا معقّدًا، لكنه يربط بين قطر الدائرة ومحيطها. بدونه تفقد الدائرة توازنها، وتضيع العلاقة بين الداخل والخارج. فاي لا يصنع الدائرة، لكنه يُقيم العدل بين أجزائها؛ لا ينحاز للمحيط على حساب القطر، ولا يظلم القطر باسم الاتساع، بل يحفظ نسبة عادلة تُبقي الشكل منسجمًا.

وهنا يفرض السؤال نفسه: ماذا لو كانت أزماتنا في جوهرها أزمات نسب؟ وماذا لو كانت الحروب نتيجة خللٍ في العلاقة، لا حتمية للصراع؟

ما جرى في السودان لم يكن مجرد مواجهة بالسلاح، بل انكسارًا عميقًا في العلاقات: بين المركز والأطراف، بين القوة والعدالة، بين الاختلاف والتعايش، وبين الذاكرة والضمير. كبر المحيط؛ ضجيج السلاح والاستقطاب، وصغر القطر؛ الإنسان والقيم وجبر الخواطر. وعندما تختل النِّسَب، تتشوّه الدائرة مهما بدا محيطها واسعًا.

وحين نقول للحرب: باي باي، فنحن لا نودّع حدثًا فحسب، بل نودّع منطق الإقصاء، ووهم الحسم بالقوة، وثقافة الغلبة. “باي باي” هنا ليست كلمة عابرة، بل قرار أخلاقي يعيد الإنسان إلى قلب المعادلة، ويستدعي العودة إلى النِّسَب الصحيحة في الحكم والإدارة والمجتمع.

رمضان ليس موسم عبادة فحسب، بل موسم إعادة ضبط. فيه نخفف فائض الأنا، ونزيد جرعة الرحمة، ونعيد الاعتبار للسكينة. كما يعيد الصائم ضبط علاقته بجسده، يستطيع الوطن أن يعيد ضبط علاقته بأبنائه. يعلّمنا رمضان أن القوة في الكبح لا في الانفجار، وأن الغلبة للنفس لا على الآخرين.

وفي الأزمات الكبرى، لا تُبنى الأوطان بالبيانات وحدها، بل بـ جبر الخواطر. خاطر أمٍ فقدت ابنها، وخاطر طفلٍ انقطع عن مدرسته، وخاطر أسرةٍ تشتّتت، وخاطر وطنٍ أنهكته القطيعة. جبر الخواطر هو فاي المجتمع؛ قيمة صغيرة في اللفظ، عظيمة في الأثر، تعيد وصل القطر بالمحيط، وتردّ الإنسان إلى مركز الدائرة.

ومن هذا المعنى، تأتي الدعوة لا خطابًا سياسيًا ولا بيانًا عاطفيًا، بل نداءً هادئًا للتصافي قبل التفاوض، وللتسامح قبل المحاسبة، ولمّ الشمل قبل إعادة الإعمار، وبناء وطن تُحفظ فيه النِّسَب بين الحق والقوة، وبين الذاكرة والمستقبل.

وفي هذا المقام، لا يكتمل المعنى إلا بالدعاء:

اللهم في هذا الشهر المبارك، نسألك لوطننا السودان أن تطوي صفحة الألم، وأن تجعل هذا الشهر خاتمة للحرب وبداية للسلام. اللهم أطفئ نار الفتنة، واجبر خواطر الأمهات الثكالى، واربط على قلوب الآباء المكلومين، واحفظ الأطفال من اليُتم والضياع، وأعد للبيوت سكينتها وللقلوب طمأنينتها. اللهم ألّف بين القلوب، واهدِ العقول، واجعل الحكمة سيّدة القرار، والعدل ميزان الحكم، والرحمة أساس البناء. اللهم ردّ الغائبين سالمين، واشفِ الجرحى، وارحم الشهداء، واكتب لهذا البلد نهضةً بعد صبر، ووحدةً بعد شتات، وأملاً بعد طول انتظار.

كما لا تستقيم دائرة بلا فاي، لا يستقيم وطن بلا عدل، ولا سلام بلا جبر خواطر. وفي هذا الشهر الكريم، نقول للحرب: باي باي، ونقول للوطن: مرحبًا من جديد.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | إنقاذ المليشيا أم إنهاء الحرب؟.. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

قانون الاستحواذ العدائي الامريكي والدور الذي تلعبه الامارات العربية المتحدة في حربها بالوكالة ضد السودان .. بقلم/ د. بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *