في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم لا تُقاس قوة الدول بعدد جيوشها ولا بصلابة خطابها السياسي، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات دستورية راسخة تحكمها القوانين وتضبطها الإرادة الشعبية. وفي السودان، الذي خرج من أتون حرب مدمرة وأزمات سياسية متلاحقة، يبرز تشكيل البرلمان الانتقالي القادم بوصفه الخطوة الأكثر أهمية في طريق استعادة الدولة وإعادة بناء الشرعية القانونية لمؤسسات الحكم.
لقد عانى السودان خلال السنوات الماضية من فراغ تشريعي واضح، وهو فراغ أحدث اختلالاً في التوازن الدستوري بين السلطات. فغياب البرلمان جعل السلطة التنفيذية تتحمل أعباء التشريع والرقابة معاً، وهو وضع لا يستقيم مع قواعد الحكم الرشيد ولا مع المبادئ الدستورية التي تقوم عليها الدول الحديثة. فالتشريع بطبيعته ليس عملاً حكومياً صرفاً، بل هو التعبير المؤسسي عن الإرادة العامة للأمة.
إن البرلمان في أي دولة يمثل ضمير الشعب وصوته القانوني، ومن خلاله تُصاغ القوانين التي تنظم حياة المجتمع، وتُحدد صلاحيات السلطة، وتُرسم السياسات العامة. ولهذا فإن قيام البرلمان الانتقالي في السودان ليس مجرد إجراء إداري لإكمال هياكل الحكم، بل هو إعلان عملي لعودة الدولة إلى مسارها المؤسسي الصحيح.
فالمرحلة القادمة تفرض على السودان تحديات تشريعية كبرى؛ من إعادة بناء المنظومة القانونية، إلى إقرار تشريعات العدالة الانتقالية، مروراً بإصلاح القوانين الاقتصادية والإدارية التي تشكل أساس عملية إعادة الإعمار بعد الحرب. وهذه المهام الجسيمة لا يمكن أن تضطلع بها السلطة التنفيذية وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسة تشريعية قوية تمتلك الشرعية والقدرة على صناعة القانون ومراقبة تنفيذه.
ومن الناحية القانونية، فإن البرلمان الانتقالي يمثل الضمانة الأساسية لتحقيق مبدأ الفصل بين السلطات، وهو المبدأ الذي يشكل العمود الفقري لأي نظام دستوري متوازن. فوجود مجلس تشريعي مستقل يمنع تركيز السلطة في يد جهة واحدة، ويؤسس لنظام رقابي قادر على مساءلة الحكومة ومراجعة قراراتها بما يحقق الشفافية ويحفظ المال العام.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في تشكيل البرلمان فحسب، بل في طبيعة هذا البرلمان وتركيبته. فالمطلوب اليوم ليس مجرد مجلس شكلي تُستكمل به هياكل السلطة، وإنما مؤسسة وطنية تعكس التنوع السوداني الواسع، وتضم كفاءات قانونية وسياسية قادرة على إدارة الحوار التشريعي بروح المسؤولية الوطنية.
إن المرحلة الانتقالية بطبيعتها مرحلة تأسيس، وأي خلل في تأسيس المؤسسات الدستورية ينعكس سلباً على مستقبل الدولة بأكمله. لذلك ينبغي أن يقوم البرلمان الانتقالي على أسس واضحة من الاستقلالية والكفاءة والتمثيل العادل، بعيداً عن منطق المحاصصات الضيقة أو الحسابات السياسية المؤقتة.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى برلمان يضيف ضجيجاً سياسياً جديداً، بل يحتاج إلى مجلس تشريعي يعيد للدولة هيبتها القانونية، ويؤسس لمرحلة من الاستقرار المؤسسي تمهد الطريق لانتخابات حرة ونظام ديمقراطي مستقر.
إن البرلمان الانتقالي، إذا ما أُحسن تشكيله وأُدير بروح الدولة لا بروح الصراع، يمكن أن يصبح نقطة الانطلاق نحو إعادة بناء السودان على أسس القانون والمؤسسات. أما إذا أُفرغ من مضمونه وتحول إلى ساحة للتجاذبات السياسية، فإن البلاد ستبقى تدور في دائرة الأزمات ذاتها.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على قيام البرلمان، بل على قدرته في أن يكون برلماناً للدولة لا برلماناً للأزمات؛ مجلساً يعيد الاعتبار للقانون، ويمنح السودان فرصة جديدة للعبور من مرحلة الفوضى إلى فضاء الدولة الراسخة.
فالدول التي تعبر من الحروب إلى الاستقرار تبدأ أولاً بإعادة بناء مؤسساتها التشريعية، لأن القانون هو أول أعمدة الدولة و آخر حصونها.
مسارات .. البرلمان الانتقالي السوداني: بوابة الشرعية وبداية استعادة الدولة .. د.نجلاء حسين المكابرابي
المقالة السابقة


