Popular Now

تقرير استراتيجي رقم (8) .. الإمارات العربية ومستقبل قوات الدعم السريع في ظل التصعيد الأمريكي والإقليمي .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب – الباحث المختص في الشأن الأفريقي

الحرب علي إيران بين الأطلسي وأوراسيا (الحلقة الثانية) .. بقلم/ د. اسماعيل الناير .. باحث استراتجى .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

مسارات .. الديمقراطية في السودان بعد الحرب: معركة بناء الدولة لا مجرد انتقال للسلطة .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

مسارات .. الديمقراطية في السودان بعد الحرب: معركة بناء الدولة لا مجرد انتقال للسلطة .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

لم تعد قضية الديمقراطية في السودان مجرد شعار سياسي يُرفع في لحظات الحماس الثوري، بل أصبحت اليوم سؤالاً مصيرياً يتعلق بمستقبل الدولة ذاتها بعد حرب مدمرة أعادت تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي. فالسودان الذي يخرج من أتون الصراع لا يقف فقط أمام مهمة إعادة الإعمار، بل أمام تحدٍ أعظم يتمثل في إعادة تأسيس الدولة على قاعدة الشرعية الشعبية وسيادة القانون.
إن التجارب التاريخية تشير إلى أن الدول الخارجة من الحروب إما أن تنجح في تحويل لحظة الانهيار إلى فرصة للتأسيس الجديد، أو تنزلق إلى دوامة الصراعات المزمنة. والسودان اليوم يقف بين هذين المسارين؛ فإما أن تتبلور إرادة وطنية تؤسس لديمقراطية حقيقية، أو يستمر التنازع على السلطة في إنتاج أزمات متلاحقة تعطل بناء الدولة.
الحرب وإعادة تشكيل المشهد السياسي
لقد كشفت الحرب بوضوح هشاشة البنية السياسية التي قامت عليها الدولة السودانية طوال العقود الماضية. فالصراع لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كان انعكاساً لأزمة عميقة في طبيعة الحكم، وتداخل السلطات، وضعف المؤسسات، وغياب مشروع وطني جامع.
وفي ظل هذا الواقع، فإن الحديث عن الديمقراطية بعد الحرب لا يمكن أن يقتصر على تشكيل حكومة مدنية أو إجراء انتخابات مبكرة، لأن الديمقراطية في جوهرها هي منظومة متكاملة من المؤسسات والقواعد الدستورية التي تنظم تداول السلطة وتمنع احتكارها.
الدولة أولاً… ثم الديمقراطية
من أبرز الدروس التي تفرضها تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن بناء الدولة يسبق بالضرورة ترسيخ الممارسة الديمقراطية. فالديمقراطية لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها السلاح، أو تتعدد فيها مراكز القوة خارج إطار الدولة.
ولهذا فإن الخطوة الأولى نحو الديمقراطية في السودان تبدأ بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد القوات المسلحة تحت قيادة وطنية واحدة، وإنهاء ظاهرة المليشيات، لأن وجود قوة عسكرية موازية للدولة يمثل أكبر تهديد لأي نظام ديمقراطي.
كما أن إصلاح المؤسسات العدلية، وترسيخ استقلال القضاء، وبناء جهاز إداري مهني بعيد عن الولاءات السياسية، كلها شروط أساسية لضمان انتقال ديمقراطي مستقر.
العدالة الانتقالية… شرط الاستقرار
إن المجتمعات الخارجة من الحروب لا تستطيع بناء مستقبلها من دون مواجهة ماضيها. ولذلك فإن العدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة تاريخية لتحقيق الاستقرار.
فالعدالة التي تنصف الضحايا وتحاسب المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات تساهم في إعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، وتمنع تكرار المآسي التي قادت إلى الصراع. غير أن هذه العدالة يجب أن تكون جزءاً من مشروع وطني متوازن يجمع بين المحاسبة والمصالحة، حتى لا تتحول إلى أداة للانتقام السياسي.
التحدي الاقتصادي للديمقراطية
لا يمكن لأي تجربة ديمقراطية أن تستقر في ظل اقتصاد منهار. فالفقر والبطالة وتدهور الخدمات تخلق بيئة خصبة للفوضى السياسية ولصعود الخطابات الشعبوية التي تستغل معاناة الناس.
ولهذا فإن إعادة إعمار الاقتصاد السوداني تمثل ركيزة أساسية في مسار التحول الديمقراطي. ويتطلب ذلك استعادة الثقة الدولية، وجذب الاستثمارات، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة، حتى يشعر المواطن بأن السلام والديمقراطية ينعكسان على حياته اليومية.
النخب السياسية واختبار المسؤولية
لقد أظهرت التجارب السودانية السابقة أن أزمات الديمقراطية لم تكن دائماً نتيجة تدخل العسكر فقط، بل كانت في كثير من الأحيان نتاجاً لصراعات النخب المدنية نفسها. فالتنافس الحزبي الضيق، وغياب الرؤية الوطنية المشتركة، كانا من أبرز أسباب تعثر التجارب الديمقراطية في الماضي.
واليوم تقف القوى السياسية أمام اختبار تاريخي: إما أن ترتقي إلى مستوى اللحظة الوطنية وتبني مشروعاً سياسياً جامعاً، أو تعيد إنتاج الانقسامات التي قادت البلاد إلى الأزمات.
نحو عقد وطني جديد
إن السودان بعد الحرب بحاجة إلى ما هو أكثر من تسوية سياسية مؤقتة؛ إنه بحاجة إلى عقد وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويضع أسس الحكم الرشيد القائم على المشاركة والشفافية والمساءلة.
هذا العقد يجب أن يتجسد في دستور دائم يعبر عن التنوع السوداني، ويضمن الحقوق والحريات، ويؤسس لنظام حكم يوازن بين السلطات ويمنع الاستبداد.

واخيرا : إن الديمقراطية في السودان لن تولد من فراغ، ولن تتحقق بقرارات سياسية عابرة، بل ستتشكل عبر عملية تاريخية طويلة من بناء المؤسسات وترسيخ ثقافة سياسية جديدة.
غير أن المؤكد أن الحرب – رغم مآسيها – قد فتحت الباب أمام فرصة نادرة لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس أكثر عدلاً واستقراراً. وإذا أحسن السودانيون استثمار هذه اللحظة، فقد تتحول سنوات الألم إلى نقطة انطلاق نحو دولة ديمقراطية حقيقية، دولة لا تُحكم بالسلاح، بل بإرادة الشعب وسيادة القانون.

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. الوطنية التي تصنع السودان .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

المقالة التالية

الحرب علي إيران بين الأطلسي وأوراسيا (الحلقة الثانية) .. بقلم/ د. اسماعيل الناير .. باحث استراتجى .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *