لا يخفى على أحد ما يمتلكه السودان من مقومات زراعية هائلة تصنفه كأحد أهم دول العالم إمكانية في تحقيق الأمن الغذائي العربي و الأفريقي، بل وتحقيق فائض للتصدير، إلا أن هذه الإمكانيات ظلت تدار بطريقة لم تمكنه من تحقيق طموحات الشعب السوداني في الازدهار الاقتصادي. نحاول في هذا المقال تحليل الواقع الراهن وتقديم رؤية عامة مستقبلية للاستثمار الزراعي مع التركيز على السياسات المطلوبة لتحقيق النقلة النوعية المنشودة.
# الواقع الحالي… ثروة غير مستغلة وتحديات جِسام:
يقف الاستثمار الزراعي في السودان عند مفترق طرق فمن ناحية توجد مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة ومصادر مائية ضخمة من النيلين وأمطار و مياه جوفية وتنوع مناخي يسمح بإنتاج محاصيل استوائية و معتدلة ، غير أن هذه الثروة تقابلها تحديات هيكلية أعاقت الاستفادة القصوى منها:
1. هيمنة الزراعة التقليدية حيث لا تزال الزراعة المطرية التقليدية هي السائدة مما يجعل الإنتاج رهينة لتقلبات المناخ ويؤدي إلى تذبذب حاد في المحاصيل الأساسية مثل الذرة و الدخن والسمسم والفول السوداني.
2. تدهور البنية التحتية والذي يشكل نقص الطرق المعبدة وصعوبة تخزين المحاصيل وارتفاع تكلفة النقل عائقًا رئيسيًا أمام تسويق المنتجات الزراعية مما يؤدي إلى خسائر فادحة بعد الحصاد ويقلل من العائد للمزارع.
3. نقص التمويل والدعم الحكومي لذا نجد أن المزارعون يعانون وخاصة صغار المزارعين من صعوبة الوصول للتمويل البنكي الشبه منعدم مع ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية من بذور محسنة و أسمدة ومبيدات الذي يحصرهم في دائرة الإنتاج منخفض الإنتاجية.
4. ضعف الصناعات التحويلية حيث يتم تصدير غالبية المحاصيل السودانية في حالتها الخام مما يفقد البلاد القيمة المضافة الهائلة التي يمكن تحقيقها من خلال التصنيع الزراعي مثل عصر الزيوت، وتصنيع الأعلاف و تعليب الفواكه والخضروات.
5. الإطار التشريعي والمؤسسي نجد أن القطاع يعاني من تشريعات متضاربة أحيانا، و بيروقراطية معقدة مع عدم وضوح في سياسات تملك الأراضي مما يثبط المستثمرين المحليين والأجانب في الاستثمار الكمي الكبير.
#الاتجاه نحو صغار المزارعين كمحرك إنعاش الاقتصاد الحقيقي:
أثبتت التجارب العالمية أن دعم صغار المزارعين هو أقصر الطرق لتحقيق الأمن الغذائي ومكافحة الفقر وتحفيز الاقتصاد الريفي, ففي السودان يشكل هؤلاء المزارعون العمود الفقري للإنتاج الزراعي وتنميته حيث يمكن تنمية وإنعاش للاقتصاد بأكمله عبر:
1. توفير فرص عمل من خلال الزراعة الأسرية والزراعة الصغيرة هي الأكثر استخداما للعمالة وبالتالي فإن دعمها يحد من البطالة ويوزع الدخل على نطاق واسع من المجتمع .
2. تعزيز الأمن الغذائي و الذي يركز على صغار المزارعين لإنتاج المحاصيل الغذائية الأساسية التي تمس حاجة المجتمع مباشرة.
3. تحقيق الاستقرار الريفي و الذي بدوره يؤدي إلى تحسين دخل المزارع الصغير و تنشيط الأسواق المحلية و ابتكار دورة اقتصادية محلية نشطة.
و لكن نجدان قطاع صغار المزارعين يتطلب حزمة متكاملة تشمل:
– توفير القروض الميسرة.
– إنشاء مراكز للإرشاد الزراعي.
– تأسيس تعاونيات إنتاجية تسويقية تمكنهم من شراء المدخلات وبيع المنتجات بشكل جماعي.
وكل ما ذكر سيزيد من قوتهم التفاوضية ويقلل التكاليف الزراعية بإذن الله تعالى.
# أدوار الدولة الحقيقية … من الرقابة إلى التمكين
الدور المنوط بالدولة يتعدى مجرد الإشراف العام إلى توفير بيئة تمكينية حقيقية من خلال:
1. سياسات مالية ونقدية داعمة وذلك بتوجيه البنوك لتقديم تمويل ميسر للقطاع الزراعي ووضع برامج للإعفاءات الجمركية على المدخلات الزراعية و توفير نظام تأميني يحمي المزارعين من المخاطر المناخية.
2. الاستثمار في البنية التحتية من خلال بناء وتأهيل الطرق الزراعية ومشاريع الري والصرف وتشييد صوامع الغلال المتحركة و صغيرة الحجم ومجمعات التبريد لتقليل الفاقد.
3. البحث العلمي والإرشاد وذلك بدعم وتطوير مراكز البحوث الزراعية لتطوير بذور وأصناف ملائمة للبيئة السودانية ومقاومة للجفاف والأمراض ونقل هذه التقنيات للمزارع عبر نظام إرشاد فعال.
4. تشجيع الصناعات التحويلية الزراعية يجب أن تكون الأولوية القصوى تحويل المواد الخام إلى منتجات نصف مصنعة أو نهائية. هذا يتطلب:
– حوافز ضريبية و جمركية لجذب الاستثمار في هذا المجال.
– تطوير سياسة طاقة تضمن توفير الطاقة بأسعار تنافسية للمصانع وتحديث التشريعات لتستوعب إنتاج الطاقة المتجددة .
– ربط مراكز الإنتاج بمناطق التصنيع عبر ممرات لوجستية فعالة.
# المحافظ الاستثمارية الزراعية…النموذج الأمثل للتكامل
تمثل فكرة إنشاء محافظ استثمارية زراعية متكاملة حلًّا مبتكرًا يمكن أن يغير خريطة الاستثمار الزراعي في السودان ،فهذه المحافظ لا تعمل على أنها مجرد صناديق تمويل إنما هي كيانات متكاملة تعمل بنموذج من المزرعة إلى السوق وتكون مملوكة بشكل مشترك بين القطاع العام والخاص والمستثمرين، يمكن أن تتشكل هذه المحافظ على النحو التالي:
– تجميع رؤوس الأموال من مصادر محلية وأجنبية.
– استقطاع أو استئجار مساحات كبيرة وتطويرها بالبنية التحتية اللازمة (ري، طرق، طاقة).
– تقسيم هذه المساحات إلى وحدات متوسطة وصغيرة و تأجيرها للمستثمرين والمزارعين مع توفير حزمة متكاملة من الخدمات تشمل( التمويل، المدخلات، الإرشاد، وآليات الحصاد والتسويق).
– إنشاء وحدات تصنيعية تابعة للمحفظة في قلب مناطق الإنتاج لتحويل المحاصيل إلى سلع ذات قيمة مضافة.
هذا النموذج المدمج يحل مشاكل التمويل والبنية التحتية والتسويق في آن واحد ويضمن عائدًا مستقرًّا للمستثمرين ويوفر آلاف الفرص للشباب السوداني في مجالات الإدارة والزراعة والتصنيع.
#توقعات المستقبل… بين التفاؤل الحذر والفرص الذهبية:
مستقبل الاستثمار الزراعي في السودان مرهون بالقرارات والسياسات التي ستتخذ في المرحلة القادمة، إذا تم تبني رؤية استراتيجية شاملة تقوم على:
1. إعطاء أولوية قصوى لتمكين صغار المزارعين.
2. تحويل الدولة من مشغل إلى منظم وميسر.
3. جذب الاستثمارات الموجهة للصناعات التحويلية.
4. تبني نماذج استثمارية متكاملة مثل المحافظ الزراعية.
فإن السودان أمامه فرصة لتحقيق الاكتفاء الذاتي ليكون سلة غذاء حقيقية للعالم مما سينعكس إيجابًا على قيمة العملة المحلية ويحسن ميزان المدفوعات ويوفر العملة الصعبة ويوفر مليون فرصة عمل ويعيد إحياء الاقتصاد السوداني على أسس متينة ومستدامة، فالزراعة في السودان لابد أن نتناولها قضية أمن قومي واجتماعي،وإحياؤها يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية ورؤية واضحة وشراكة وطنية صادقة بين الحكومة والقطاع الخاص والمزارع السوداني الذي يظل الحلقة الأقوى في هذه المعادلة.
فهل نستطيع أن ننجح لرسم الطريق لهذا المفهوم ؟؟؟


