Popular Now

سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

امريكا وحلفائهما وممارسة الطغيان والتطرف والإرهاب علي العالم اجمع باسم الديمقراطية .. ” 2 من 3 ” ( قانون الغاب والاستخواذ ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. لا للحرب… كيف أُفرغت الانتصارات من معناها؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

مشروع الجزيرة (الماضي والحاضر والمستقبل) .. بقلم : أحمد حسن الفادني

قبل ايام كان آخر مقال لي كتبته في سلسلة المشاريع الزراعية الاستراتيجية عن مشروع السوكي ، فتحدث معي احد الاخوة من ابناء الجزيرة الخضراء معاتبا، لماذا لم تكتب في أكبر مشروع زراعي في السودان وهو مشروع الجزيرة، وبعد ما استمعت إليه بكل اذن صاغية وملتمسا في قلبه الوجع و الألم الذي يعتصره تجاه التدهور المريع الذي حدث لهذا المشروع القاري العظيم ،فكان ردي له (وختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).
وانا كنت قبل ذلك قد جمعت قدر كافي من المعلومات و البيانات ملتمسا فيها المصداقية و الرؤية الاقتصادية فمشروع الجزيرة يعد من أكبر المشروعات الزراعية في السودان،فحين يذكر السودان كإمكانات زراعية واعدة، يقفز إلى الواجهة مشروع الجزيرة بوصفه أحد أكبر المشاريع الزراعية المروية في أفريقيا والعالم. فقد كان المشروع ولا يزال رمزا للإمكانات الزراعية الهائلة التي يمتلكها السودان، لكنه كذلك مر ومازال يمر بتحديات ( الإدارية والسياسية والاقتصادية) التي واجهت البلاد لعقود. نحاول في هذا المقال ان نعالج مشكلات مشروع الجزيرة من خلال قراءة ماضيه، وتشخيص حاضره، واستشراف مستقبله، مع تقديم رؤية استراتيجية لإعادة أحياء مواته كمحرك للنهضة الاقتصادية في السودان من خلال النقاط و التسلسل الاتي:
أولا: مشروع الجزيرة في الماضي ( نموذج للنهضة الزراعية):تأسس مشروع الجزيرة في العام 1925، كمشروع مروي بين نهري النيل الأزرق والدندر، ممتدا على أكثر من 2.2 مليون فدان. وقد شكل آنذاك نواة الاقتصاد الوطني، وساهم بصورة مباشرة في رفع صادرات القطن، الذي كان يسمى “الذهب الأبيض”، إلى الأسواق العالمية، مما جعل السودان يعرف كمخزون غذائي واعد.
تميز المشروع بنظام ري انسيابي مبتكر لا يعتمد على الطلمبات، وبنية تحتية متقدمة شملت قنوات ري وصرف، وسكة حديد داخلية، ومجتمعات زراعية متكاملة. كان المشروع نموذجا للتنمية الريفية الشاملة، وأدى إلى نشوء طبقة وسطى فاعلة، وأسهم في استقرار آلاف الأسر.

ثانيا: مشروع الجزيرة اليوم ( أزمة متعددة الأبعاد):رغم التأسيس المتين، تدهورت أوضاع مشروع الجزيرة خلال العقود الأخيرة. ويمكن تلخيص أبرز المشكلات الحالية في المحاور التالية:

1. تراجع البنية التحتية: تعرضت قنوات الري والصرف للإهمال، مما أضعف كفاءة النظام المروي، وأدى إلى انخفاض الإنتاجية وتآكل الأراضي الصالحة للزراعة كسابقه من المشاريع التي تحدثنا عنها.
2. غياب الإدارة الرشيدة: نقولها بكل صراحة مجردة حيث شهد المشروع سلسلة من القرارات العشوائية التي فاقمت الأزمات، لا سيما قانون 2005 الذي أدى إلى تفكيك الهيكل الإداري والفني للمشروع، وتحويل عبء الإدارة على المزارعين دون دعم مؤسسي كاف.
3. التمويل الزراعي غير المستقر: بالرغم من وجود البنك الزراعي ومؤسسات التمويل المصرفية فقد عانى المشروع من غياب التمويل المستدام، وارتباط الإنتاج بتمويل موسمي مرهون بشروط قاسية من المصارف التجارية، مما قلص قدرة المزارعين على التخطيط طويل الأمد لدوراتهم الزراعية وعدم توجيه التمويل للمحاصيل ذات الوفرة النقدية.
4. تدهور نظام الإرشاد الزراعي: غياب الدعم الفني والتقني وعدم المواكبة للطرق الحديثة ،أدى إلى ضعف في استخدام التقانات الزراعية الحديثة، وأدى إلى تدني عام في الإنتاج والجودة.
5. النزاعات حول الملكية والتوزيع العادل:برزت مشكلات قانونية حول حقوق الانتفاع، والخلط بين الملكية الخاصة والتشريعات العامة، مما أعاق عمليات التطوير والاستثمار الخارجي للمشروع وتكاسل المزارعين من الزراعة و العمل على البيع المباشر او البيع الايجاري او الايجار الموسمي.

ثالثا: مستقبل مشروع الجزيرة ( رؤية استراتيجية للنهضة):إن استعادة مشروع الجزيرة كمحرك اقتصادي وطني يتطلب تبني رؤية استراتيجية ترتكز على إصلاح مؤسسي وتحديث تقني وتنمية مستدامة. وتكمن ملامح هذه الرؤية في الآتي:
1. إعادة الهيكلة الإدارية: وذلك من خلال ضم مشروع الجزيرة الى الصندوق السيادي كارضية اولية للمحافظ الزراعية او إنشاء هيئة مستقلة لمشروع الجزيرة ذات طابع سيادي فني، تجمع بين كفاءة الإدارة وتفويض تشريعي واضح، وتكون مسؤولة عن التخطيط والإشراف والتطوير، بمعزل عن التقلبات السياسية.
2. استثمارات استراتيجية في البنية التحتية: بإطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل قنوات الري والسكة الحديد والمخازن، باستخدام تمويل مشترك بين الدولة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، مع إشراك المزارعين في صيانة واستدامة البنية التحتية.
3. إصلاح نظام التمويل: تأسيس صندوق تمويل زراعي خاص بمشروع الجزيرة، يعتمد على تسهيلات مرنة وتمويل تشغيلي واستثماري طويل الأمد، ويتيح التمويل الجماعي، وصيغ التمويل الإسلامي الملائمة للبيئة الريفية بإنشاء بنك الجزيرة للتمويل الزراعي.
4. التوسع في سلاسل القيمة:عدم الاقتصار على الإنتاج الخام، بل التوجه نحو التصنيع الزراعي المتكامل من خلال إنشاء مناطق صناعية متخصصة مثلا في الصناعات التحويلية و الصناعات الغذائية و التي تتمثل في (حلج القطن، تعليب الخضروات والفواكه، طحن الغلال)، ما يوفر وظائف ويزيد من القيمة المضافة.
5. الابتكار والتقانات الزراعية: اعتماد الزراعة الذكية، وإنشاء مراكز أبحاث زراعية وارشاد زراعي متقدمة، وربط المشروع بجامعات ومعاهد بحثية لتطوير الأصناف وزيادة الإنتاجية وتقليل الهدر.
6. إدارة تشاركية واستدامة: تبني نموذج إدارة تشاركي يوازن بين المزارع والدولة والقطاع الخاص، مع مراعاة العدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية، والحفاظ على البعد الاجتماعي والاقتصادي للمزارعين.
7. تعديل قوانين الانتفاع و الملكية: من خلال وضع قانون قوي يوضح فيه العلاقات بين المزارعين و الحكومة و يراعي اعادة التوزيع العادل و تكون روحه (الأرض لمن يفلحها)

وفي ختام هذا المقال نود ان ننوه ان الحديث عن معالجة مشروع الجزيرة تحتاج إلى مراكز بحوث وخبراء لجعل المشروع كما كان ،ونحن بدورنا ككتاب نبصر القيادة و المجتمع عن اهمية المشاريع من الناحية الاقتصادية و المجتمعية و السياسية وتقديم رؤى مختصرة تساعد في الحل حيث يمثل مشروع الجزيرة اختبارا حقيقيا لقدرة السودان على النهوض من كبواته، واستثمار موارده لتحقيق النمو المستدام. فالمشروع ليس فقط مشروعا زراعيا، بل هو مشروع وطني له أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية. وإذا ما أُحسن إدارته وفق رؤية مدروسة، وتم استثماره كمنصة للإنتاج والتصدير والتشغيل، فإنه قادر على إحداث انعطافة نوعية في مسار الاقتصاد السوداني، إن إعادة إحياء مشروع الجزيرة ليست ترفا أو حنينا إلى الماضي، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية لمستقبل السودان.

(فالارض لمن يفلحها)

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 5546 بتاريخ 29 مايو 2025 .. اصلاح الحركة السياسية

المقالة التالية

وجه الحقيقة … الإعلام يحجز مكاناً جديداً .. بقلم/إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *