يتناول هذا المنشور السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب في فترته الأولى ورئاسته الحالية من زاوية [[ استراتيجية اقتصاد المنفعة]]، ونسلط الضوء فيه على ما يمكن تسميته بـ “سياسة عدم العطاء مقابل المكاسب”، خاصة في تعامله مع دول الخليج. حيث اعتمد ترامب على نهج الصفقة (Deal-Making) في العلاقات الدولية، والذي يمكننا أن نطلق علي الرئيس ترامب [[ Mr.Deal Making ]] ( سيد نهج الصفقة ) حيث ركّز على ما تجنيه الولايات المتحدة من الحلفاء دون تقديم التزامات استراتيجية طويلة المدى. تحت شعار أمريكا أولًا [[ America First ]] وتمثل دول الخليج نموذجاً بارزاً لهذا النمط ، إذ وُظفت الثروات الخليجية في تعزيز الاقتصاد الأمريكي وتوسيع نفوذ واشنطن دون تنازلات سياسية تُذكر.
مقدمة “أمريكا أولاً” لم تكن مجرد شعار في حملة ترامب الانتخابية، بل تحولت إلى عقيدة سياسة خارجية. فقد تمحورت علاقاته الدولية حول الربح والخسارة، والعائد المباشر من كل تحالف. وكانت منطقة الخليج العربي إحدى أهم ساحات تطبيق هذه السياسة.فبين صفقات سلاح بالمليارات، وضغوط سياسية واقتصادية لجرّ الخليج إلى التطبيع مع إسرائيل، وغض الطرف عن قضايا الحريات وحقوق الإنسان، اتضح أن ترامب ينتهج سياسة “خذ ولا تعطي”، والتي تصبّ بالكامل في مصلحة الولايات المتحدة. وفقًا للنقاط التالية:
1. ملامح عقيدة ترامب الخارجية:
رفض الاتفاقيات متعددة الأطراف (انسحاب من اتفاق باريس للمناخ، اتفاق إيران النووي) في عام 2018م
واستعاض عنها بالتفاوض الثنائي بدلاً من التحالفات الجماعية.مع تركيز على الميزان التجاري و”من يدفع أكثر” وتهميش المؤسسات التقليدية في السياسة الأمريكية (الخارجية، البنتاغون) لصالح قرارات شخصية مباشرة.
2. الخليج في سياسة ترامب: مصدر للمال والتأثير
تم توقيع صفقات أسلحة مع السعودية والإمارات تجاوزت قيمتها 475 مليار دولار خلال الولاية الأولى.حيق تم ابتزاز دول الخليج مالياً بحجة “الحماية العسكرية”.
أعلن ترامب صراحة: “لو لا حمايتنا لما بقيت السعودية لأسبوعين”.
أدواته:التخويف من إيران كأداة لطلب المزيد من الأموال.الضغط من أجل التطبيع مع إسرائيل لخلق اصطفاف جديد يخدم إسرائيل وأمريكا.والتحكم في بيع الأسلحة والتكنولوجيا كوسيلة للضغط السياسي.
3. الابتزاز السياسي المقنّن: الخليج كنموذج استغل ترامب التهديد الإيراني لتسويق السلاح الأمريكي.
حوّل العلاقات الخليجية الأمريكية إلى علاقات زبون ومورد” [[ Customer/Supplier ]] ، لا إلى “تحالفات متكافئة”.لم يقدم التزاماً واضحاً للدفاع عن الخليج في حال تعرضه لهجوم حقيقي. ساهم في تعميق الانقسامات الخليجية (أزمة قطر 2017) قبل أن يُظهر حيادًا سطحياً.
4. ترامب لا يعطي… لكنه يربح
لم يُقدّم مساعدات تنموية حقيقية لدول الخليج أو دعمًا في قضاياها الجوهرية.بل سمح للشركات الامريكية ان تعمل ما تشاء،في دول الخليج و لم يضغط على إسرائيل للتنازل عن أي شيء في عملية السلام.قايض الخليج على التطبيع مع إسرائيل دون مقابل مباشر.
المقابل:دعم سياسي دائم لإدارته.
استثمارات ضخمة في البنية التحتية الأمريكية.تحسين صورته أمام الناخب الأمريكي كـ “بائع ناجح”.
5. تقييم استراتيجي: خسائر الخليج مقابل مكاسب ترامب
البند أمريكا (مكاسب) الخليج (خسائر)السلاح مليارات الدولارات تبعية أمنية دائمة السياسة اصطفاف إقليمي جديد تآكل الاستقلالية
الاقتصاد ضخ أموال واستثمارات ضعف التنوع الاقتصادي.الصورة العامة رئيس قوي أمام الداخل الأمريكي حلفاء مستنزفون مالياً وإعلامياً.وتوفير آلاف فرص العمل في أمريكا ، وهذا ما عجل بعودته مرة أخرى كرئيس مرة أخرى للولايات المتحدة عقب فوزه علي بايدن الديمقراطي والذي كان يسير علي نفس النهج ولكن بحياء خافت حتي لا يستبين أمر مداورة المؤامرة علي الخليج و تسيد إسرائيل للمشهد في الشرق الأوسط.
6.هل الخليج مجرد “حقل تجاري” في عقل ترامب؟نعم، ترامب تعامل مع دول الخليج كرعاة أعمال، لا كشركاء سياسيين. فقد:فرض عليهم معادلات سياسية لا تخدم قضاياهم الكبرى.استخدمهم في الترويج لنجاحاته الاقتصادية تجاهل تماماً ملفات الإصلاح السياسي والحقوقي والحريات والديمقراطية الكذوب والمشاركة في السلطة.
7. ما بعد ترامب: هل تغيرت السياسة الأمريكية؟جو بايدن أعاد بعض التوازن الظاهري، بحياء ظاهري عند عرب الخليج بينما في الواقع أن السياسة الأمريكية وقحة ولا تعرف الأخلاق والحياء .و في الوقت نفسه لم يُلغِ بايدن جوهر السياسة الأمريكية النفعية.ولم تعد واشنطن ترى في الخليج حليفًا ثابتًا بل مجرد شريك مرحلي قابل للاستبدال متي ما أراد الغرب ولكن هذه الأوضاع السياسية التي تسود في بلدان الخليج تعتبر الأفضل لأمريكا. الدرس: العلاقات الدولية لا تُبنى على الولاء، بل على القوة والمصلحة المتبادلة.
وأخيرًا، نقول مثّلت سياسة ترامب الخارجية ذروة النفعية السياسية والاقتصادية، حيث لم يمنح أحدًا شيئًا إلا بمقابل. دول الخليج كانت هدفًا رئيسيًا لابتزازه المشروع تحت عنوان الحماية والتحالف. إن قراءة التجربة الخليجية مع ترامب تضع أمام صانعي القرار في العالم العربي تحديات جديدة: كيف يمكن الانتقال من علاقة “الزبون” إلى علاقة “الشريك”؟ وكيف يمكن تفعيل استقلالية القرار السياسي دون التضحية بالأمن القومي أو الاقتصادي؟
في منشور الغد نتناول ترامب في رئاسته الجديدة واستمرار المنفعة البراغماتية وهي سياسة الأخذ بدون مقابل وزيارته الأخيرة للعام ٢٠٢٥م لدول الخليج وتحقيق مكاسب كبيرة مع تفتت مستقبلي متوقع وشيك وخاصة للإمارات و لدول الخليج الأخرى حال استمرار سياسة النسيج والغزل الناعم الضاغط الكذوب دون مراعاة لمصالح شعوب دول الخليج والمنطقة ..
د.بابكر عبدالله محمد علي
دكتوراة علم اللغة التطبيقي جامعة وادي النيل باحث و أستاذ مساعد علم اللغة .
أستاذ متعاون جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا …عمادة الجودة والتطوير …مركز الجودة والتميز

