مقدمة
مما قادني إلى كتابة هذا المقال هو إعجابي بالتحليل الاقتصادي العميق الذي قدمه الدكتور )إبراهيم البدوي) في مقاله الأخير، وما أثاره من نقاشات بنّاءة على صفحة الأستاذ (عثمان ميرغني). وقد وجدت نفسي أتعقب تلك الأرقام من زاوية خلفيتي الأكاديمية في التنمية والتحليل الاقتصادي، متأملًا كيف يمكن للمنهج المعاصر في التحليل الاقتصادي أن يمنح تلك الأرقام حياة أوسع ومعنى أعمق، حين نقرأها في سياق التحول الاجتماعي والتقني الذي يعيشه السودان والمنطقة من حوله.
من الأرقام إلى الفهم الديناميكي
اعتمد الدكتور البدوي على المدخل الكلاسيكي في التحليل الاقتصادي الذي يُبرز الأرقام كمرايا دقيقة لواقع الاقتصاد: الناتج المحلي، الإنفاق العام، الصادرات، والعجز المالي.
غير أن التحليل الاقتصادي المعاصر (Contemporary Economic Analysis Theories) ينظر إلى الأرقام باعتبارها نتاجًا لتفاعلات معقدة بين التكنولوجيا والسلوك الاجتماعي والمؤسسات، ويبحث في الديناميكيات التي تُنتج هذه الأرقام قبل أن تُقاس.
ففي ظل التحولات التي يشهدها السودان، لم تعد المؤشرات الاقتصادية تُقرأ بمعزل عن:
- تغيّر سلوك المستهلك في ظل الأزمات،
- اتساع الاقتصاد غير الرسمي كمصدر رئيس للدخل،
- ودور التحول الرقمي في إعادة تشكيل الأسواق والخدمات والإنتاج.
بهذا المنظور، الاقتصاد ليس مجرد معادلة مالية، بل منظومة اجتماعية سلوكية تتأثر بالثقافة والسياسة والتقنية، وهو ما يفتح أفقًا جديدًا لفهم الظواهر الاقتصادية في السودان.
الاقتصاد السوداني في مرآة النظرية المعاصرة
تشير نظريات التحليل الاقتصادي المعاصر إلى أن الأزمات – مهما كانت شدتها -تخلق أنماطًا جديدة للنشاط الاقتصادي بدلاً من أن توقفه.
وفي الحالة السودانية يمكن رصد عدة مظاهر واضحة:
- بروز اقتصاد المبادلات غير النقدية (Barter Economy) نتيجة ندرة السيولة،
- انتشار الاقتصاد الرقمي عبر التحويلات المالية من الخارج والتجارة الإلكترونية،
- وتنامي رأس المال الاجتماعي كبديل للاستقرار المؤسسي في المجتمعات المحلية.
هذه المظاهر لا تمثل مجرد تكيف مع الأزمة، بل تعبيرًا عن قدرة المجتمع السوداني على الابتكار الاقتصادي، واستعداده لتوليد أنماط إنتاج جديدة من داخل المعاناة ذاتها.
نحو قراءة جديدة للتنمية
تُعيد نظريات التحليل الاقتصادي المعاصر تعريف النمو الاقتصادي، ليس باعتباره زيادة رقمية في الناتج المحلي، بل بوصفه حصيلة تفاعل بين رأس المال البشري والتقني والمؤسسي.
ومن هذا المنطلق، يصبح جوهر الإصلاح الاقتصادي في السودان هو:
- الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التحول،
- تمكين رأس المال البشري والتقني
- و توظيف الذكاء الاصطناعي والمعرفة الرقمية في إعادة بناء الاقتصاد الوطني.
فالتنمية اليوم ليست مشروعات إسمنتية فحسب، بل منظومة فكرية وسلوكية وتقنية متكاملة تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والموارد والإنتاج.
خاتمة
إن الجمع بين قراءة الدكتور إبراهيم البدوي الدقيقة للأرقام، وتعقيبي الذي ينطلق من التحليل الاقتصادي المعاصر، يفتح أفقًا جديدًا أمام الفكر الاقتصادي السوداني.
فالأزمة الراهنة ليست نهاية الطريق، بل نقطة انطلاق لتحول معرفي في طريقة التفكير الاقتصادي، يُعيد التوازن بين الأرقام والإنسان، بين المؤشرات والسياسات، وبين الاقتصاد والمجتمع.
فالنهضة لا تصنعها الأرقام وحدها، بل العقول التي تفهم كيف تُنتج تلك الأرقام وتعيد توجيهها نحو مستقبلٍ أكثر استدامة وعدلاً.
✍️ بقلم: د. أحمد الطيب السماني
دكتوراه في تنمية المجتمع – جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا
أستاذ جامعي وخبير في التنمية والإدارة
باحث في قضايا الاقتصاد والتنمية المستدامة