في خضم ما تمر به مجتمعاتنا من أزمات وضغوط متراكمة، خصوصاً في أعقاب الحروب وما تخلفه من آثار نفسية واقتصادية واجتماعية، نجد أنفسنا أحياناً نصبح مصدر الداء قبل أن نبحث عن الدواء. فالكثير من الأمراض النفسية والجسدية التي نراها اليوم ليست نتاجاً لطبيعة الحياة وحدها، بل لصراعاتنا الداخلية وسوء تعاملنا مع بعضنا البعض داخل الأسرة والمجتمع.
كم من زوج أثقل كاهل زوجته بمتطلبات تفوق طاقتها، دون أن يدرك أن كلمات قاسية قد تزرع في نفسها قلقاً يطول علاجه؟ وكم من زوجة ضيقت على زوجها بنقد دائم، فزاد همّه وانطفأ حماسه؟ وكم من والد أو والدة ضغطا على أبنائهما من دون مراعاة لتقلبات الزمن وضيق الأفق الذي يعيشونه، فزرعا فيهم الخوف والإحباط بدل الثقة والطموح؟
إننا نولد الضغوط من داخلنا، وننقلها إلى من حولنا دون وعي، فنخلق جواً خانقاً داخل البيوت والمكاتب والمدارس، ثم نستغرب ازدياد حالات الاكتئاب والقلق والانهيار العصبي، ونهرع بعد ذلك إلى الأطباء والمعالجين طلباً للراحة، ونسعى وراء الدعم من المنظمات وأهل الخير لعلاج ما صنعناه بأيدينا.
الواقع أن العلاج يبدأ قبل المرض، حين نعذر بعضنا البعض، ونلتمس الأعذار للآخرين بدلاً من محاكمتهم في كل تصرف. نحن بحاجة اليوم إلى مساحة من الرحمة والتفهم أكثر من أي وقت مضى. فالتسامح في هذه الظروف الاستثنائية ليس ضعفاً، بل ضرورة لحماية ما تبقى من كياننا وأسرنا وصحتنا النفسية والجسدية.
إن لم ندفع في الخير رضاً، سندفع في العلاج قسراً. فلنجعل من بيوتنا وبيئاتنا الصغيرة واحاتٍ من السكينة، لا مصانعَ لإنتاج الألم. الرحمة هي دواء المرحلة، والحكمة أن نعي أن الكلمة الطيبة، والابتسامة والصبر، هي أعظم أنواع الوقاية في زمن الضيق.
توصيات عميقة للإصلاح وتوجيه المجتمع
إعادة بناء الوعي الأسري:
لا بد من نشر ثقافة الحوار داخل البيوت، وتحويل الخلافات إلى فرص للتفاهم لا ساحات للصراع. يجب أن يتعلم كل فرد في الأسرة مهارات التواصل الإيجابي والإصغاء المتبادل قبل أن يتعلم كيف يبرر موقفه.
تدريب المجتمع على الذكاء العاطفي:
ما بعد الحروب ليست مرحلة إعمار للبنية التحتية فقط، بل للنفوس أيضاً. يجب أن تدخل برامج الذكاء العاطفي في المدارس والمساجد والمجتمعات المحلية حتى يتعلم الناس كيف يديرون مشاعرهم ويتعاملون مع ضغوطهم بوعي.
تعزيز ثقافة “العذر قبل الحكم”:
أن نلتمس العذر للآخرين قبل أن نحاسبهم، فكل شخص يحمل همّاً خفياً لا نعرفه. المجتمع الذي يتبنى ثقافة التماس الأعذار هو مجتمع متماسك نفسيّاً وسلوكياً.
إحياء قيمة “السكينة الاجتماعية”:
يجب أن تُوجَّه الخطاب الديني والإعلامي نحو ترسيخ مفهوم السكينة بوصفها قيمة اجتماعية، لا فقط روحية. فالسكينة ليست هدوءاً مؤقتاً، بل أسلوب حياة يوازن بين العقل والعاطفة.
إطلاق حملات توعية نفسية مجتمعية:
بدلاً من انتظار المرض، ينبغي أن تبادر المؤسسات والوزارات والمراكز إلى إطلاق برامج توعية حول الوقاية النفسية، وتخفيف الضغوط داخل الأسرة ومكان العمل، عبر جلسات إرشاد جماعية ومبادرات إنسانية.
التركيز على إصلاح الخطاب الاجتماعي:
يجب تنقية لغة الحديث اليومي من السخرية والتقليل من الآخرين، لأن اللغة سلاح يبني أو يهدم. ومن هنا يبدأ الإصلاح النفسي الحقيقي.
تفعيل دور القادة المحليين والمعلمين والأئمة:
فهم الأقرب إلى الناس، ويستطيعون غرس قيم التسامح وضبط الغضب من خلال القدوة لا الخطاب فقط. القائد أو المعلم أو الإمام حين يتعامل برحمة، ينعكس أثره في دوائر أوسع مما نتصور.
الاستثمار في برامج الدعم الأسري والنفسي:
ينبغي للدولة والمجتمع المدني أن ينشئ صناديق ومراكز مجانية أو منخفضة التكلفة للدعم النفسي والأسري، خاصة للمتضررين من آثار الحرب والضغوط الاقتصادية.
تبني مبدأ “التراحم بدل التناحر”:
فليس من البطولة أن ننتصر في الجدال، بل أن نحافظ على القلب من القسوة. التراحم ليس شعاراً دينياً فقط، بل إستراتيجية بقاء اجتماعي في زمن الانكسار.
غرس قناعة أن الراحة النفسية صدقة متبادلة:
حين نُريح من حولنا بالكلمة الطيبة والموقف الهادئ، فإننا في الحقيقة نُعالج أنفسنا قبلهم. المجتمع الراقي هو الذي يدرك أن السلام الداخلي مسؤولية مشتركة لا هبة من القدر.
