Popular Now

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عودة الدولة…أم عودة الأشخاص ؟! .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

امريكا وحلفائهما وممارسة الطغيان والتطرف والإرهاب علي العالم اجمع باسم الديمقراطية .. ” 2 من 3 ” ( قانون الغاب والاستخواذ ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

وجه الحقيقة | أمن المعلومات واستراتيجية إعادة البناء .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أمن المعلومات و التحول الرقمي، مدخل لإعادة تأسيس الدولة على أسس أكثر صلابة وتماسكًا. في هذا السياق، يمثل اعتماد مؤتمر الاتحاد الدولي للاتصالات”ITU WTDC 2025″لمشروع القرار الذي تقدم به السودان، انتصارًا دبلوماسيًا يعيد البلاد إلى المشهد الدولي، ويفتح نافذة واسعة نحو مستقبل يمكن أن يستعيد فيه السودان دوره الطبيعي بين الأمم.

القرار الذي أُجيز بالإجماع تحت عنوان “مساعدة السودان على إعادة بناء البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ورأب الفجوة الرقمية” يحمل دلالات سياسية وتنموية. إذ يعبّر عن اعتراف دولي بالدمار الذي تعرّض له قطاع الاتصالات على يد ميلشيا الدعم السريع، ويؤكد استعداد المجتمع الدولي لمساندة السودان في عبور هذه المرحلة من تاريخه الحديث.

من الناحية التنموية يتيح هذا القرار للسودان فرصة نادرة للاستفادة من برامج الاتحاد الدولي وشركائه من الدول الكبرى والشركات العالمية العاملة في مجالات الاتصالات والتحول الرقمي. وتشمل هذه المبادرات التدريب وبناء القدرات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير أنظمة تبادل البيانات، وهي مجالات تشكل العمود الفقري لأي مشروع لإعادة بناء الدولة الحديثة.

أما على المستوى السياسي، فإن الإجماع الدولي حول القرار يرسل رسالة دعم قوي، إذ أن دولًا أخرى لم تتمكن من تمرير مشروعاتها داخل المؤتمر نتيجة اعتراضات أو خلافات. ما حدث مع السودان يعكس توافقًا نادرًا داخل المنظومة الدولية، ويترجم حالة تعاطف مع مسار الدولة ومحنتها الحالية، ويُعد مكسبًا يعزز الجهد السوداني في إعادة ترتيب مؤسساته.

وقد شكّل هذا الحدث أيضًا اختبارًا مهمًا للدبلوماسية السودانية بقيادة السفير أنس الطيب الذي نجح في حشد دعم المجموعتين العربية والأفريقية، وفي بناء تحالفات داخل لجان المؤتمر، وهو ما عبّر عنه شكر السودان لرئيس اللجنة وفريق العمل، وللقيادة الأذربيجانية التي وفرت التسهيلات.

كما برز الدور المحوري للوفد الفني لوزارة التحول الرقمي، والذي قاده الوزير المهندس أحمد درديري غندور، وسانده وكيل الوزارة د. الصادق جمال الدين، حيث قدّما نموذجًا لعمل متماسك مكن السودان من خوض المداولات بثقة ورصانة حتى لحظة اعتماد القرار في 25 نوفمبر 2025.

هذه الوزارة، ضمن حكومة الأمل بقياداتها الشبابية، أثبتت أنها مؤسسة نوعية قادرة على قيادة تطوير هذا القطاع، والتفاوض على المستوى الدولي بكفاءة عالية، وصياغة مشروع يحظى بدعم وإجماع عالمي. هذا الأداء الشبابي يظهر كيف يمكن للدولة أن تخلق مؤسسات حديثة تعيد تموضعها وسط تحديات الحرب والفوضى، وتؤكد أن السودان يمتلك القدرة على إنتاج مؤسسات متقدمة يمكنها مخاطبة العالم بلغة المستقبل.

الدلالات السياسية للقرار تمتد أيضًا إلى إعادة رسم العلاقات الدولية للسودان. فقد أعطى الدعم من المجموعتين العربية والأفريقية، فضلاً عن تحالفات داخل لجان المؤتمر، مؤشراً على أن السودان لا يزال جزءًا من عمقه الإقليمي، وأن المجتمع الدولي مستعد لمساندته لإعادة بناء مؤسساته.

هذا الوضع يعزز موقف الحكومة في الصراع الداخلي، إذ يمنح الدولة قدرة أكبر على استعادة سيطرتها على قطاع الاتصالات وأمن المعلومات، بما يعنيه ذلك من تحصين القرار الوطني أمام أي محاولات اختراق.

ومن زاوية استراتيجية، يربط القرار بين التحول الرقمي والأمن القومي بشكل واضح: فالتحول الرقمي هو الآن مرآة قدرة الدولة على البقاء، وأمن المعلومات هو الدرع الذي يحمي السيادة، ويصون قدرة الدولة على الإدارة، وعلى اتخاذ القرار، وعلى حماية المواطنين والخدمات الحيوية. وحين يُستثمر هذا التحول بالشكل الصحيح، تصبح شبكات الاتصالات الحديثة، ومراكز البيانات، ومنظومات الهوية الرقمية، أدوات أساسية لإعادة ضبط الدولة على أسس عصرية، وتجاوز ركود المؤسسات.

إن السودان عبر هذا القرار، يخطو نحو إعادة بناء بنية رقمية متقدمة لا تحمي الاتصالات فحسب، بل تحمي القرار السياسي، وتعزز الاقتصاد الرقمي، وتعيد للشباب فرص الابتكار وريادة الأعمال، وتربط الكفاءات المهاجرة بوطنها، وتخلق فضاءً عامًّا يساهم في استقرار الدولة والمجتمع. بهذا المعنى لم يعد التحول الرقمي وأمن المعلومات مسألة تطوير قطاعي أو تقني، بل أصبحا لبنة أساسية في بناء السودان الجديد، السودان الذي يعيد لنفسه القدرة على الدفاع عن سيادته وعلى المشاركة في الفضاء الدولي كدولة قادرة على حماية حاضرها وتأمين مستقبلها.

بحسب #وجه_الحقيقة يمثل هذا القرار الدولي لحظة فارقة يمكن أن تشكل بداية مرحلة جديدة في تاريخ السودان إذا تم تحويله إلى برنامج عمل الآن قبل الغد. فهذه مرحلة يُعاد فيها تعريف الدولة، على أساس المعرفة، والسيادة الرقمية، والقدرة على حماية مؤسساتها. فالتحول الرقمي وأمن المعلومات، بقيادة وزارة شابة وطموحة، أصبحا اليوم البوابة ، لتشكيل السودان الجديد، الذي يعيد صياغة مكانه على خارطة العالم الحديثة.

دمتم بخير وعافية.
الأحد 30 نوفمبر 2025م Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 5822 .. منهجان للتعامل مع المستجدات في طريق السلام

المقالة التالية

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. (الحلقة التاسعة) .. تحولات المشهد الدولي وتداخل المبادرات الإقليمية: السودان بين ضغط مجلس الأمن وتصاعد الكارثة الإنسانية .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *