● يروي أبو الدرداء رضي الله عنه أنه كانت بين أبي بكر و عمر محاورة، فأغضبَ أبو بكرٍ عمر، فانصرف عمر عنه مغضَباً، فاتَّبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه، و بينما أبوالدرداء جالسٌ عند النبي عليه الصلاة و السلام إذ أقبل أبو بكرٍ آخذٌ بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال عليه الصلاة و السلام: أما صاحبكم فقد غامر، فسلَّم و حكى ما كان بينه و بن الخطَّاب، فقال عليه الصلاة و السلام: يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثاً) ، ثم إنَّ عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فلم يجده، فأتى إلى النبي عليه الصلاة و السلام، فجعل وجه النبي يتمَعَّر، حتى أشفق أبوبكر على عمر، فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله! و الله أنا كنت أظلم (مرتين)، فقال عليه الصلاة و السلام: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، و قال أبو بكر: صدق، و واساني بنفسه و ماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي فهل أنتم تاركوا لي صاحبي.
● سقطت الإنقاذ، فانحاش بعض قادتها إلى منافٍ اختاروها، و انزوى أكثرُهم فأغلقوا عليهم دورهم، و احتوت السجون ثُلَّةٌ منهم، و برزت من بينهم جماعةٌ لمقارعة الباطل بالعمل السياسي و القانوني و الإعلامي و الشعبي .. رغم قِلَّة الناصر و مسغبة الزمان .. ثم اندلعت الحرب فطار إلى ما وراء الحدود بعض المُنزَوين ومن كانوا في السجون، و صمَد أهل المقارعة فانحاز لهم كثيرون من أهل العزائم، و ما بخل هؤلاء بنفسٍ أو نفيسٍ، و ساندوا بكلما آتاهم الله من قوةٍ و الزمان مقتلة، و قد كان الظنُّ أن تجمع المصائب المصابين حين عزَّ أن تجمعهم كلمة التقوى التي كانوا أحقَّ بها و أهلها، و لكن أبى البعض إلا أن يزيد فجيعة الناس بمكر الليل و النهار لمزاً في المُطَّوِّعين من المجاهدين والمرابطين في الميدان، فسَلِم منهم الجنجويد وأهل القحت ، ولم يسلم منهم إخوانهم المجاهدون والمرابطون ، وليس ذلك إلا تسابقاً منهم حول مناصب حزبيةٍ مزعومة، و وظائف مُتوهَّمة، و شرعيةٍ كاذبةٍ خاطئة .. و هل كانت شرعية الحركة و الحزب إلا بما تهواه و تريده السُّلْطة، و هل نُكِبَت الحركة بعد الإنقاذ بشئٍ أكبر من اختطاف السُّلطة لشرعيتها .. فحُكِم باسمها و لم تَحكُم، حتى استشهد صحَّ في أحد مؤتمراتها أن يُقال:
“العطر عطرك
و المكان هو المكان
لكنَّ شيئاً قد تكسَّر بيننا
لا أنتِ أنتِ
و لا الزمان هو الزمان”
● قد كان لكل مشايخ وقادة الإسلاميين سبْقهم وجهادهم و مصابرتهم و اجتهادهم وكسبهم، و قد كان لهم زمانهم الذي نرجو الله أن يتقبله منهم و أن يعصمهم من الزَّلل فلا يُبطِلُ آخرَهم أوَّلهم، و كما أنه قد كان موقف المقداد يوم بدرٍ لا يعدِله موقفٌ عند عمر، فكذلك هي حرب الكرامة عند السودانيين و الإسلاميين، لا يستوي فيها الذين اصطفاهم الله لهذه الحرب فصمدوا لها و صابروا فيها و ناصروا .. بغيرهم من أمثالنا الذين قضى الله بعدله و حكمته أن نكون فيها من القاعدين، و كما أن لأهل بدرٍ في الإسلام فضلهم .. فكذلك هم أهل حرب الكرامة في السودان على غيرهم، و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، و إذ لا شك أن الأمر كله في السودان سيكون على غير ما كان عليه قبل الحرب، فاربعوا على أنفسكم، و لا تُشرِبوا قلوبكم الكيد لأهل الميدان فتزِل قدَمٌ بعد ثبوتها .. كالتي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً، و من فاته الإنصاف من نفسه بالتجرُّد أو استشراف واقع الحال و مستقبله، فلا يفوتنَّه أن يترك للمجاهدين و المرابطين أصحابهم، و هم اليوم الكثرة الكاثرة و الأغلبية الغالبة، و هم أعلم بحالهم و أقدر و أجدر على تدبير أمورهم و إصلاح شئونهم إن تطلب الأمر.
● إن على عاتق أهل الميدان من الإسلاميين مسئولية عظيمة، و أمانةٌ ثقيلة في مناصرة شعب البلاد و جيشها لتطهير البلاد من الخبَث ، وضمان سلامتها من العبَث ، وأعداء البلاد كُثُرٌ من حولها و من بعض أهلها، و هو واجِبٌ خُصَّ به الذين يُطيقون ذاك العبئ الثقيل، و كما أنه يليق بهم عدم الانشغال بصغائر الأمور و بُنيَّات الطريق، فإنه يلزمهم الحزم فيما لا ينبغي أن يخشوا فيه لومة لائم، فلا فقه للسُّترة اليوم، و لا إغفالٌ للرِّداء على القذا، و وِحدة الصف و سلامة البلاد أوجَب من أي اعتبارٍ آخر، و من واجبات المستقبل أن يُخلصوا النية والعمل على أن يعهدوا بالراية إلى أهلها من الشباب بعد أن تضع الحرب أوزارها.
● إن مستقبل السودان يجب أن يرتكز على الشباب فهذا زمانهم، و معركة الكرامة أثبتت أن شباب اليوم لا خوفٌ عليهم .. محتشدون أيماناً و قِيماً فلا يحتاجون بعد الحرب سوى القرآن مُرشداً .. و مكتنزون عِلماً فلا يحتاجون غير المصطفى أسوةً .. يفيضون بسالةً و يتفجَّرون وعياً، و قد عركتهم المعارك، و أدَّبتهم غمرات المهالك، فلم يتصارعوا من قبل على المناصب، و لا كانوا في شئٍ من الشُّلَليات، و ليس بينهم و بين أيٍّ من أهل السودان مرير تجارب، فهم الأجدر و الأولى بالعمل مع بقية أهلهم و شعبهم لبناء مستقبلٍ يستحقه السودان و السودانيون.
٢٩ يناير ٢٠٢٥م