سودان ما بعد الشعارات: من الثورة إلى الدولة، و من الانفعال إلى الفعل… وفق إستراتيجية الجسر و المورد.
الشعار كأداة هندسة.. لا مجرد تعبير:
● في علوم الاتصال السياسي و إدارة الصراع، لا يُنظر إلى الشعار كجملة، بل كموجّه إدراكي – عاطفي. إنه أداة هندسة وعي يتم من خلالها برمجة الإدراك الجمعي نحو نقطة تركيز مركزية.
● في شعار “تسقط بس” مثلاً، نزع كامل للتعقيد، و إسقاط مريع لفكرة البدائل. لقد تم تحويل الشعب من فاعل إلى منفعل، و من طامح إلى ناقم و من حالم بالتغيير إلى حالم بالفراغ.
● هذا الاختزال الاستراتيجي لم يكن بريئًا، بل كان مدفوعًا من غرف خارجية تجيد استغلال “طاقة الرفض الخام” و تحويلها إلى فرصة هندسية لهدم الدولة تحت ستار الثورة.
من حنجرة الثورة إلى ميادين الانهيار:
حين يُفرَّغ الشعار من مشروعه، يتحول إلى صاعق تفجير مجتمعي.
هذا ما حدث تمامًا:
“تسقط بس” سقطت، ولم يصعد بديلها.
فتسلمت “اللجان” دون برنامج، وركبت “المليشيا” على الموجة، وبدأت سلسلة تفكيك الدولة كوحدة إدراكية أولاً، ثم كمؤسسة سيادية لاحقًا.
لقد تمت هندسة الانهيار المجتمعي عبر ثلاث طبقات:
١. انهيار المعنى: لم يعد الوطن يعني شيئًا، فكل رموزه متهمة.
٢. انهيار الثقة: لا جيش، لا قضاء، لا شرطة… فقط الشارع و اللافتة.
٣. انهيار الغاية: صرنا نهتف فقط، بلا معرفة لماذا.
و هكذا وجدنا أنفسنا أمام جيل كامل تمت تربيته سياسيًا بشعار “ضد”، لا بشعار “من أجل”.
“تسكت بس”: حين يفرض العدو شعاره
حين اشتعلت الحرب، لم يكن هناك شعار وطني جامع.
و هنا ملأ الفراغ شعار غامض مريب: “تسكت بس”
لم يُرفع علنًا، لكنه ساد واقعًا:
● تسكت المدن المحترقة.
● تسكت النساء المغتصبات.
● تسكت الدولة ذاتها.
و يسكت الإعلام… بل يُباع.
و المذهل أن من فرض هذا الصمت لم يكن داخليًا فقط، بل كان تحالفًا بين مرتزقة الداخل و عملاء الخارج.
الإمارات، بكل شبكاتها، دفعت بهذا الشعار اللا مرئي، و جعلت من الصمت سياسة و من التوحش إستراتيجية، و من الحرب إعادة برمجة لوطن كامل نحو القبول بالذل كقَدَر.
“جيش واحد شعب واحد”: شعار التصحيح أم لحظة الالتفاف؟
حين بدأ الناس يخرجون من الصدمة، أعادتهم الحقيقة إلى نقطة بسيطة:
بلا جيش… لا دولة.
و هكذا عاد الشارع، بنقائه العفوي، ليبتكر شعارًا مضادًا للانهيار: “جيش واحد شعب واحد”.
و هنا التحول الاستراتيجي:
● لم يعد الشعار فقط رفضًا… بل بدأ يستبطن روح الدولة.
● لم يعد انفجارًا… بل محاولة تجميع و تماسك.
● صار الشعب يقول: “نحن الدولة، و الدولة نحن”، لا مجرد نخبة تحكم و لا لافتة تُرفع.
● هذا الشعار إن أُحسن استخدامه في إطار استراتيجية الجسر و المورد، يمكن أن يتحول من شعار إلى مشروع سيادة وطنية شاملة.
إستراتيجية الجسر و المورد: من الشعار إلى البُنيان:
وفق إستراتيجية الجسر والمورد، هناك ثلاثة شروط لا بد أن تتوفر في أي شعار كي لا يكون وسيلة تخدير أو تدمير:
١. أن ينبثق من وجدان جامع لا من نخبة منعزلة.
٢. أن يكون مُرفقًا بخارطة طريق (مورد) نحو بناء حقيقي.
٣. أن يعبر الجسر من الشعور إلى السلوك، و من الميدان إلى المؤسسية.
● “جيش واحد شعب واحد”، إذا أُرفق بمشروع إصلاح متكامل للدولة، و بمسار سياسي جامع يراعي الهوية الوطنية، لا الهويات الفرعية، فإنه سيكون أول شعار وطني حقيقي بعد عقود من الشعارات المستوردة أو المضللة.
أصل القضية،،،
إن أخطر ما واجه السودان لم يكن الحرب، و لا الفقر، بل العبث بالوعي من خلال الشعارات.
فلنحذر، فقد يهتف الشارع للذئب إن ارتدى قميص الوطن.
و لنُعيد بناء وعينا، لا بهتاف الصدفة، بل بمشروع إرادة… شعارها: نعرف لنحكم، نبني لنصمد، نشعر لنفعل.
● سوداننا لا يُبنى بشعار، بل بشعب يعرف متى يرفع الشعار… و متى يصمت ليعمل.
