في بلدٍ تكسّرت فيه الخرائط، و تشققت فيه الثقة، ينهض شعب السودان حاملًا مقولة عميقة في بساطتها:
“البلد البتسامح، ما بتنكسر”.
ليست مجرد عبارة تُقال في مجالس العزاء أو لحظات الضعف، بل فلسفة وطنية تنبع من عمق الوجدان الشعبي، و تُعبر عن إدراك جمعي بأن التسامح ليس غفرانًا مجانيًا، بل فعلٌ سياسيٌ و مجتمعيٌ لمقاومة الانهيار.
لكن ما بين هذا التسامح الفطري و واقع الانقسام المجتمعي و الاقتصادي، تظهر حاجة مُلحة إلى إستراتيجية تدمج بين الروح الشعبية و الخيال السياسي العملي. و هنا تأتي إستراتيجية “الجسر و المورد” كمنظور متكامل لإعادة بناء السودان على أسس مستدامة من التماسك، و السلام و العدالة الإنتاجية.
هندسة الانهيار المجتمعي – من التفكيك إلى التهميش:
الانهيار السوداني لم يكن وليد لحظة واحدة، بل نتيجة لعمليات تفكيك ممنهجة استهدفت ما يلي:
– تفكيك البنى الإنتاجية التقليدية، كالرعي والزراعة المحلية، عبر فتح الباب واسعًا أمام الاستثمارات الأجنبية غير المنظَّمة.
– إضعاف شبكات التكافل الاجتماعي، و تحويل المجتمع من منتِج إلى مستهلِك يعيش على الإغاثة.
– تقنين الصراع عبر سياسة “فرّق تسُد”، مما أدى إلى إنتاج نخبة مستفيدة من الانقسام، و مجتمع محاصر بالكراهية المتبادلة.
– ما حدث هو هندسة انهيار، أُريد لها أن تُنتج مجتمعًا مفككًا لا يستطيع المطالبة بحقه في الموارد أو السلطة أو حتى الحياة الكريمة.
الجسر و المورد – نحو بناء استقرار جديد:
تسعى إستراتيجية “الجسر و المورد” إلى قلب معادلة الانهيار من خلال ثلاثة محاور رئيسية:
١. الجسر: استعادة الثقة والروابط
– بناء جسور الثقة بين الدولة و المجتمع عبر المساءلة و العدالة الانتقالية.
– ترميم جسور القيم المشتركة بين مكونات المجتمع السوداني على أسس من التعايش، لا التنافس.
تشييد جسور السيادة الوطنية عبر رفض الوصاية الخارجية، وتحرير القرار السياسي من قبضة المصالح الأجنبية.
٢. المورد: استرداد الثروة والكرامة
– توطين القيمة الاقتصادية للموارد الطبيعية في المجتمعات المحلية المنتجة.
– تحويل الاقتصاد من ريعي تابع إلى اقتصاد إنتاجي سيادي يُدار محليًا و يخدم الاحتياجات الفعلية.
– استثمار الموارد البشرية، لا سيما الشباب و النساء، بوصفهم الوقود الحقيقي للتغيير.
٣. الربط بين الجسر و المورد: هنا يكمن العمق الإستراتيجي. إذ لا يمكن الحديث عن مورد بلا مجتمع متماسك، و لا عن سلام مجتمعي بلا عدالة في توزيع المورد. من هذا التداخل تنبثق رؤية جديدة لسودان يتجاوز الحرب و يصنع ذاته من داخله.
(نيلكوين) و التكايا – نماذج لمستقبل غير هش
– نيلكوين: السيادة الاقتصادية في عصر الرقمنة
يقترح النموذج إطلاق عملة رقمية وطنية – “نيلكوين”، تستند إلى غطاء من الموارد مثل الذهب و الزراعة و تخضع لحوكمة شفافة لامركزية.
– تُوفر هذه العملة بديلاً عمليًا عن الدولار و الجنيه المنهار.
– تتيح دمج النازحين والمهمشين في الاقتصاد عبر محافظ رقمية بسيطة الاستخدام.
– تُعيد المغتربين إلى قلب الدورة الاقتصادية عبر الاستثمار المباشر في مشاريع وطنية.
التكايا الجديدة: شبكات الأمان الاجتماعي:
التكايا التي تنتشر في أحياء السودان الفقيرة أصبحت نماذج حية لـ:
– الحكم الأهلي غير الرسمي الذي يملأ فراغ الدولة.
– الاقتصاد التضامني الذي يتجاوز المنظمات الدولية و الإغاثة الطارئة.
– إعادة بناء العلاقات المجتمعية على قاعدة الرحمة و الإنتاج الذاتي.
التسامح قوة مضادة للانهيار
إذا كانت الحرب تُفرق، فإن التسامح يُعيد اللُّحمة. لكنه ليس دعوة للعفو المجاني، بل لخلق نظام عدالة:
يعفو المجتمع دون أن ينسى،و يُحاسب من أجرم دون أن يُعيد إنتاج الثأر.
المصالحة الحقيقية ليست في مؤتمرات النخب، بل في جلسات الشاي بين القبائل، و في اتفاق الصمت بين الجار و النازح و في تعارف أبناء المدارس الذين تغيرت لهجاتهم بعد الحرب.
أصل القضية : من تحت الركام ينهض البناء
سودان ما بعد الحرب ليس مجرد بلد تُعاد فيه الكهرباء و المياه، بل مجتمع يُعاد فيه الأمل. و هذا لا يتم إلا إذا:
عُدنا للجسور التي ربطتنا،
واستعدنا الموارد التي كانت لنا،
و تسامحنا من موقع القوة لا الهزيمة.
لأن “البلد البتسامح، ما بتنكسر”، فإن هذا الشعب لا يحتاج إلى من يُنقذه، بل إلى من يفسح له الطريق ليبني نفسه بنفسه. و إستراتيجية “الجسر و المورد” ليست سوى دعوة لأن نمسك بزمام هذا البناء، بقلوبنا و عقولنا و عرقنا.
