في واحدة من أبشع جرائم القتل و الانتهاك، في زمن عزّ فيه الضمير، عادت مليشيا الدعم السريع الإرهابية لتسجل جريمة بشعة في سجلها الدموي الحافل بالجرائم و الفظائع، وهذه المرة في مدينة (النهود) الصامدة المبتلاة. مدينة كانت تنبض بالحياة، فإذا بها تتحول إلى ساحةٍ للموت و الرعب بعد أن اجتاحتها أيادي الغدر و النهب، لتسفك دماء الأبرياء بلا رحمة و لا وازع من دين أو أخلاق.
قتل ما يزيد عن 250 مواطنا أعزل، لا لذنب اقترفوه سوى أنهم تمسكوا بحقهم في أراضيهم و ممتلكاتهم، و رفضوا أن يخضعوا للابتزاز و الترويع. رجالًا و نساءً و أطفال سقطوا برصاص الغدر لأنهم رفضوا أن يكونوا عبيدًا للنهب و الاستباحة. و ما زاد الوجع الجرح عمقًا أن من بين الضحايا 33 شخصية اجتماعية بارزة، كانوا يشكلون أعمدة للنسيج المجتمعي بالمدينة، صوت العقل و الحكمة و أمل التماسك في وجه المحن.
إن ما جرى في النهود ليس حدثا عابرًا، بل مأساة و جريمة مكتملة الأركان، تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه المليشيا الإرهابية قد تحولت إلى آلة للقتل لا تتوقف، تفلح في تدمير المدن و تزرع الخراب حيثما حلت. هي لم تعد طرفًا في نزاع كما تزعم بعض الجهات لتمرير أجندتها الخبيثة، بل صارت مشروعًا لتفتيت الوطن و سرقة كرامة الإنسان السوداني.
المأساة ليست فقط في عدد القتلى، بل في صمت العالم، و تخاذل المجتمع الدولي و تقصير بعض الجهات و التجمعات الوطنية في تسمية الأشياء بمسمياتها. لقد تجاوزت هذه الجرائم حدود الاحتمال، و تحولت إلى حرب إبادة ممنهجة، تستهدف الإنسان، و الهوية و التاريخ السوداني .
النهود اليوم تنزف… كما نزفت قبلها الجنينة، و نيالا، و زالنجي، و الضعين، و الجزيرة، و النيل الأبيض، و سنار و شرق النيل و غيرها من مدن السودان المنكوبة. لكن دماء الشهداء لن تذهب سدى. فالشعب الذي صبر على الجراح، يعرف متى يثور، و متى يقتص و متى يعيد بناء وطنه من تحت الركام.
لقد آن الأوان أن يعلن الجميع – دون مواربة – أن هذه المليشيا الإرهابية خطر وجودي، يجب اجتثاثه من جذوره، و تقديم قادته و منفذي جرائمه و من عاونهم دوليًا و إقليميًا و محليًا للعدالة الدولية قبل أن تلتهم ما تبقى من السودان.
النهود ليست وحدها، فكل المدن تنزف، و كل الأرواح المظلومة تصرخ: كفى!
و حتمًا، سيأتي اليوم الذي تُرفع فيه راية القصاص، و تُطوى صفحة الألم… و لكن لا ننسى و لا نغفر.
و قريبًا سننتصر ونأخذ بثأرنا منهم جميعا بدعائنا، و قوتنا، و عتادنا، و وحدتنا و نهضتنا.

