قراءة استراتيجية في تفريغ السودان من شعبه عبر هندسة الأزمات
“ليست الحرب هي التي تدفعك للرحيل، بل غياب الأمل”
المشهد: طائرات تُغلق، مطارات تُقصف، كهرباء تُفصل… وطن يُنزَف
تخيل أمًّا تُرضع طفلها على ضوء شمعة…
رجلًا مسنًا يسحب أنفاسه بصعوبة لأن جهاز الأوكسجين بلا كهرباء…
طالبًا يحلم بالجامعة، لكن لا إنترنت، ولا نقل، ولا حتى مصباح يذاكر تحته…
ثم فجأة: خبر على مواقع التواصل يقول إن “فلانًا وصل القاهرة”، و”علانًا استقر في أديس”…
هذا ليس مشهدًا عابرًا، بل سيناريو استراتيجي متقن: اسمه “التفريغ الناعم”.
١. صناعة الأزمة: حين تكون المعاناة مخططًا
علم الاجتماع الحربي يخبرنا أن الحروب الحديثة لا تعتمد فقط على القنابل والدبابات، بل على أدوات التفكيك الداخلي:
تقويض الخدمات الأساسية ليصبح البقاء مستحيلًا،
خلق بيئة طاردة نفسيًا واقتصاديًا،
دفع المواطنين إلى خيار “الهروب من الجحيم” بدل الصمود.
ما يحدث في السودان من استهداف للكهرباء، للمطارات، لمرافق المياه، ليس عشوائيًا. بل يُقرأ ضمن هندسة استراتيجية لإرغام الناس على الهجرة القسرية دون إطلاق رصاصة.
٢. علم الاجتماع الحربي: من تفكيك الدولة إلى تهجير المواطن
في هذا العلم، تُدرس المجتمعات كما تُدرس الجيوش.
الهدف؟ تحطيم “العقد الاجتماعي” بين الدولة والمواطن.
فحين يشعر المواطن أن الوطن لم يعد بيته، بل عبئًا ثقيلًا، فإن تفكيره بالهجرة لا يكون خيانة، بل “غريزة بقاء”.
وهنا تظهر أدوات الحرب الرمادية:
التشويش النفسي عبر انقطاع الخدمات،
الضغط الاجتماعي بنشر نماذج “الناجين بالخارج”،
تطبيع فكرة أن من يبقى “مضيع عمره”.
٣. التفريغ السكاني: مكاسب الخصوم وخسائر الوطن
تفريغ السودان من نخبه ومهنييه وعماله ومزارعيه ليس فقط خسارة عدد، بل:
خسارة للكتلة الإنتاجية،
انهيار للذاكرة المؤسسية،
فراغ استراتيجي يستغله الخصم لبناء واقع جديد.
وفي المقابل، الدول المستضيفة تحصد العقول، وتستفيد من الأيدي العاملة، وتُصنِّف السودان كمورد بشري خام قابل للاستغلال.
٤. استراتيجية “الجسر والمورد”: من الشتات إلى إعادة البناء
هنا تأتي استراتيجية “الجسر والمورد” لا كإطار نظري، بل كخطة وطنية ذكية تعيد تمركز المعركة حول استعادة الإنسان السوداني:
أ. الجسر: إعادة الربط بين الوطن والشتات
> بناء منصات تواصل ذكية تربط بين السودانيين بالداخل والخارج،
> إنشاء مراكز وطنية بالخارج تقدم الخدمات وتجذب التحويلات والمبادرات،
> اعتبار المغترب “سفيرًا منتجًا” لا “هاربًا ساخطًا”.
ب. المورد: تحويل الأزمة إلى فرصة اقتصادية وطنية
> الاستثمار في التعليم والخدمات الرقمية حتى من مناطق النزوح،
> دعم المشروعات الصغيرة اللامركزية (طاقة شمسية – زراعة مجتمعية – تقنيات بديلة)،
> إطلاق عملة رقمية وطنية (مثل “نيلكوين”) لتحفيز الاقتصاد المحلي والمغتربين.
٥. الحلول الذكية في زمن الحرب الرمادية
> تشغيل مطارات بديلة مؤقتة ولو بمدارج ترابية، كحق سيادي،
> نشر شبكات طاقة شمسية مجتمعية لتجاوز الحصار الكهربائي،
> استخدام تقنيات Mesh Networks لبناء إنترنت محلي مقاوم للانقطاع،
> تعزيز ثقافة “المجتمع المقاوم المنتج”: التعليم في المنازل، الزراعة في الأسطح، المبادرات المجتمعية، نقل الدروس عبر الإذاعات المحلية.
أصل القضية: لا تهاجر… ابن جسرك
قد تُجبرك الحرب على مغادرة بيتك، لكن لا تسمح لها بأن تغادر داخلك.
فالسودان ليس ترابًا فقط، بل فكرة حية داخل كل واحد منا.
والتحدي الآن ليس في البقاء فقط، بل في أن نحيا بكرامة وابتكار وارتباط دائم بالوطن.
فلتكن “الجسر والمورد” ليست فقط استراتيجية للنخبة، بل “حياة ذكية لشعب صامد”.