ما عاد من المجدي أن نكتب عن موارد السودان.
الذهب، الصمغ، الثروة الحيوانية، الأراضي الزراعية، المياه، الشمس، العقول…
كلها معلومة للقاصي والداني،
بل إن بعض الدول تعلم تفاصيلها أكثر من بعض وزاراتنا، وتستخرجها دون أن تُكلّف نفسها حتى عناء التمثيل الدبلوماسي.
الذهب يُهرّب بانتظام إلى الإمارات،
الصمغ العربي يُنقل بعقود خفية،
الثروة الحيوانية تُباع بأثمان بخسة أو تُباد في الحروب،
والمحاصيل الاستراتيجية يُزهد فيها لصالح بصل موسمي يفرح به والي أو مسؤول في صورة استعراضية لا تُشبع جائعًا.
فليُرفع الستار عن العبث، ولتُسقط ورقة التوت الأخيرة.
إن السؤال لم يعد: “ما هي موارد السودان؟”
بل:
من الذي يُدير التنافس الدولي عليها؟ ولصالح من؟
وهنا تتبدى مأساتنا الكبرى.
الوزارات السيادية—التجارة، الاستثمار، المالية، الخارجية—
تبدو في غيبوبة مؤسسية،
أو أسيرة شبكات مصالح لا ترى في السودان دولة، بل فرصة نهب متجددة.
أما جهاز المغتربين وبنك السودان، فقد تحولا من أدوات تفعيل للموارد إلى ملفات منسية أو أدوات إرضاء سياسي.
إن السودان اليوم ليس في حاجة إلى خارطة موارد، بل إلى إرادة إدارة.
إرادة تملك رؤية، وتعرف الخصوم، وتدرك أن التنافس على السودان ليس عبثًا، بل جزء من سباق دولي على الطاقة والغذاء والموقع.
ومن هنا، تنبع استراتيجية الجسر والمورد كخيار استراتيجي لا يُهادن،
خيار يؤمن أن إدارة التنافس الدولي ليست شعارات، بل منظومات متكاملة، تبدأ من داخلنا:
من تنظيم السوق،
من تطبيق الحوكمة،
من إصلاح المناخ الاستثماري،
من تحصين القرار الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تأتي دراستنا حول أثر تطبيق الحوكمة المالية على أداء سوق الخرطوم للأوراق المالية،
ليس كبحث أكاديمي معزول،
بل كوثيقة استنهاض،
كبيان أولي في معركة استعادة القرار الوطني من أيدي الوكلاء،
وإعادة تعريف المستثمر ليس كوافد أجنبي فقط، بل كسوداني يملك الإرادة والمال والرغبة في البناء، لكنه يفتقد البيئة والمؤسسة والمخاطبة الرسمية.
> الدراسة أثبتت أن الشفافية ليست ترفًا إداريًا، بل البوابة الأولى لاستعادة الثقة الوطنية في الاستثمار.
> أن الإفصاح ليس إجراءً، بل فعل مقاومة في وجه دولة الظل.
> أن الحوكمة ليست ملفًا فنيًا، بل شرطًا استراتيجيًا لإطلاق الطاقات المكبوتة.
أصل القضية،،،
لا نكتب اليوم لنُخبر الناس بما يملكون.
بل نكتب لنستنهض من بداخلهم إرادة استعادة ما يُنهب منهم كل يوم.
نكتب من داخل الميدان لا من خارجه.
من داخل البحث لا من التنظير.
من رحم المعاناة لا من برج عاجي.
من أراد رفاهية آمنة، فليبدأ من هنا… من الداخل، من ذاته، من سوقه، من دراستنا، من “أصل القضية”.