في خضمّ التحولات الجيواستراتيجية المتسارعة، تبرز ملامح قطبية ثنائية جديدة لا تُشبه الحرب الباردة التقليدية، لكنها تُعيد رسم خطوط النفوذ العالمي بألوانٍ شرقيةٍ وجنوبيةٍ زاهية.
لم تعد واشنطن وموسكو هما اللاعبان الوحيدان على الرقعة؛ لقد دخلت بكين بثقلها المالي، وانبعثت موسكو من رماد العقوبات، وبدأ الجنوب العالمي – من بريكس إلى آسيان إلى التحالفات الإفريقية – في كسر قيود التبعية وبناء مسارات مستقلة للكرامة والسيادة.
ووسط هذا الزخم العالمي، يتقدّم السودان بخطى مُترنّحة لكنها واثقة، محاطًا بمخاطر داخلية وصراعات مفروضة، لكنه مدفوعٌ بإرادة شعب وجيش، وعقلٍ استراتيجي يبني على أطروحة “الجسر والمورد” كسلاح فكري للتحرر والتموضع الجديد.
السودان والعقوبات: حين يُعاقب من يقاتل الإرهاب
في مشهد عبثي آخر، فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على السودان بحجة “استخدام أسلحة كيميائية” في حربه ضد مليشيا الدعم السريع.
لكن من ينظر بعين التحليل الاستراتيجي لا يفوته أن هذه العقوبات:
* تُغطي على الدعم الإماراتي الفاضح لمليشيا متمردة دمرت الخرطوم وشردت الملايين.
* تُعيد تدوير سردية مكرورة استخدمتها واشنطن ضد العراق وليبيا وسوريا… ثم جاء اليوم على السودان.
* تكشف “عورة الهيمنة الأمريكية” التي لا تريد نصرًا للجيش السوداني، بل استنزافًا يُبقي البلد تحت رحمة الفوضى.
* إن فرض العقوبات هنا ليس هدفه حماية المدنيين، بل منع انتصار دولة وطنية، وعرقلة تبلور نموذج سيادي خارج العباءة الغربية.
بين الجسر والمورد: التموضع الذكي في عالم ثنائي جديد:
وفقًا لاستراتيجية “الجسر والمورد”، فإن السودان لا يجب أن يختار بين الشرق والغرب، بل عليه أن:
* يبني جسور المصالح مع الشرق (الصين، روسيا، تركيا…) دون التفريط في استقلاله.
* ويحسن إدارة موارده الطبيعية بما يعيد تشكيل علاقاته الدولية من موقع المالك لا المستجدي.
وهنا، تلعب القطبية الثنائية الجديدة دورًا مهمًا. فبينما يُعاقبك الغرب إذا قاتلت مليشيا، يمد لك الشرق يده شريكًا في الأمن والبنية التحتية والطاقة.
وبينما تتحدث واشنطن عن الديمقراطية وتُسلّح الإرهاب، تُعطيك بكين خطوط إنتاج لا شروط فيها إلا السيادة والعمل.
أمثلة تكشف المعادلة:
> الإمارات، التي كانت تُحسب على مسار “المستقل”، تحوّلت إلى أداة وظيفية غربية – إسرائيلية، تُصدّر الفوضى وتُغطّى دبلوماسيًا.
> النيجر وتشاد، حين حاولتا استعادة قرارهما السيادي، أُجهضتا بمحاولات تمرد أو انقلاب مدعوم خارجيًا.
> السودان، حين أعلن جيشه الحرب على مليشيا مجرمة، ورفض صفقة تسوية مذلة، عوقب على استقلاله لا على أخطائه.
السودان لا يُعاقب لأنه استخدم “الكيميائي” بل لأنه لم يركع.
الولايات المتحدة تريد سودانًا مقسّمًا هشًّا… لا يمتلك قرار موارده، ولا يملك جيشًا وطنيًا موحدًا.
لكن الواقع تجاوز أمنياتها:
> الجيش السوداني لم يسقط، بل بدأ يستعيد زمام المبادرة.
> الناس بدأوا يدركون من يُموّل القتل ومن يُشيطن الوطنيين.
> والمجتمع الدولي لم يعد مُجمعًا خلف السردية الغربية.
أصل القضية: السودان… حيث يتقاطع التاريخ مع الفرصة
إن القطبية الثنائية الجديدة لا تُمنَح… بل تُنتزع.
والسودان، رغم جراحه، يقف على العتبة.
فإما أن يكون “دولة جسور ومورد”، أو يظل مستعمرة عقوبات ووكلاء.
> ومن سجد في تراب الوطن، لا يخشى غضبة واشنطن…
ومن غسل وجهه بعرق النيل، لا ترويه دبلوماسية النفط والابتزاز.
لشرق ينهض، والجنوب يثور… والخرطوم، رغم الدم، ما زالت تصلي للحرية.
فليكن شعارنا: لا عزاء لماما أمريكا، ولا مقام لوظائف إسرائيل… السودان في زمن الانعتاق يُولد من جديد.
