في حضرة القاعة التي لم تمت
في زمنٍ تَفترش فيه الحربُ شوارع الخرطوم، وتُهدهِد المدافعُ أحلامَ الصباح، كان يمكن للقاعة الجامعية أن تصبح ذكرى باهتة… مقعدًا محطمًا، سبورةً بلا طباشير، أو ممرًا مهجورًا تسكنه الريح.
لكن شيئًا ما، أشد صلابة من الاسمنت، كان لا يزال يقاوم.
شيء لا يُرى… لكنه يُحَس: روح الجامعة.
روحٌ لا تُختزل في مبنى، ولا تُقاس بعدد الجدران التي صمدت، بل تتجلى في إصرار أستاذٍ يُلقي محاضرته على ضوء هاتف، وفي طالبةٍ تكتب ملخصاتها تحت شجرة، وفي قاعةٍ افتراضية تنبت وسط الركام.
ليست العودة إلى القاعات الجامعية مجرد قرار إداري، بل شهادة ميلاد جديدة لعقلٍ رفض أن يُطفأ، وجيلٍ رفض أن يُختطف.
في الحلقة الثانية من هذا التحقيق، لا نواصل فقط رواية القصة، بل نُصغي لأصواتٍ لم تُسمَع كفاية:
أساتذة حوّلوا المحنة إلى منبر، وخبراء يحلمون بجامعة سودانية تتحدى الزمان والمكان.
فلنفتح القاعة مرة أخرى… لا لندخلها، بل لنُعيد تعريفها.
*من جامعة وادي النيل بعطبرة… حينما ينتصر العلم على العاصفة*
من قلب عَطبرة، مدينة الحديد والنار والنضال، تقف جامعة وادي النيل لا كصرحٍ أكاديمي فحسب، بل كرمز لصمود الأمة حين تُظلم الأيام، وكدليلٍ حيّ على أن التعليم في السودان لا يُقهر مهما تقاطرت عليه المحن.
من بين أنقاض الحرب وبؤس النزوح، تطلّ علينا بروفسير /إيمان إبراهيم محمود عبده، ممثلة حواء السودانية في سنام القيادة الأكاديمية، عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية- جامعة وادي النيل، لتؤكد أن الجامعة التي لا تغلق أبوابها في وجه الوطن، هي الجامعة التي تُعيد بناء الوطن.
بروفسير/ ايمان إبراهيم محمود عبده : من رحم العتمة يولد النور
> “لم نغلق أبوابنا، ولم نتراجع خطوة. في عطبرة، احتضنّا طلابًا من كل فجٍّ عميق، من جامعات أوقفتها نيران الحرب، واستقبلنا طلاب الجامعات السودانية، وفتحنا القاعات والمعامل والمساكن، لأننا نؤمن أن العلم مقاومة، وأن المعرفة وطن بديل حين ينهار كل شيء.”
رغم شُحّ الموارد، وانقطاع السند، وتقلّب الأيام، واصلت جامعة وادي النيل رسالتها بلا كلل، ولا تبرم، ولا منّة. فقدّمت نموذجًا وطنيًا فريدًا يُحتذى به في كيفية إدارة التعليم تحت الضغط، وبناء الثقة في زمن الانهيار.
مستقبل الجامعات السودانية يبدأ من عطبرة
تؤمن ب/ محمود ، بأن العودة إلى الحاضنة الجغرافية للجامعات ليست رجعة للماضي، بل فرصة لتجاوز إخفاقاته.
إنها فرصة لإعادة صياغة هوية التعليم العالي السوداني، بمنهج وطني لا مركزي، جامع لا مجزّأ، حر لا خاضع.
تطرح بروفسير/ ايمان ، خمس توصيات مفصلية من قلب التجربة:
١. صياغة نموذج وطني موحد لمستقبل التعليم العالي
ينطلق من خصوصية الواقع السوداني، ويراعي العدالة بين المركز والهامش.
٢. بناء تحالف أكاديمي بين الجامعات السودانية
على أساس التكامل لا التنافس، والتضامن لا الانعزال.
٣. الاستثمار في الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب
خصوصًا في الولايات المتأثرة بالحرب، فإعادة التكوين لا تكون بالمناهج فقط، بل بالاحتواء أيضًا.
٤. شراكات استراتيجية مع الجامعات الإقليمية والدولية
لا للإلحاق، بل لبناء قدرة مستدامة واستعادة السيادة الأكاديمية السودانية.
٥. تمكين المرأة في مفاصل القيادة الجامعية والعلمية
فهي كانت خط الدفاع الأول حين انسحب البعض، وهي أهل للقيادة حين يُعاد البناء.
عطبرة… راية العلم حين تنكّست الرايات
> “عطبرة، التي صدّرت الثورات وسكك الحديد والكوادر، تصدّر اليوم نموذجًا فريدًا من الريادة التعليمية في أوقات الانكسار. من بين الشظايا، تخرج جامعة وادي النيل بقلب ينبض للمستقبل، لا يحمل ضغينة الماضي، بل يخط خارطة وطن بأكمله من محراب العلم.”
وتختم ب. محمود افادتنا بأن شعار المرحلة القادمة هو :
> “من عطبرة… تُبنى الجامعات، ويُبعث الوطن من جديد.”
*جامعة أم درمان الإسلامية… شهادة من قلب الألم*
*د. عبد الله الكردي – عضو هيئة التدريس بجامعة أم درمان الإسلامية افاد بقوله:*
> “فتح الجامعات ضرورة… لكن لا بُدّ أن يكون على أسس تعافي حقيقي”
> “نحن لا نعارض استئناف الدراسة، بل نريد لها بيئة تليق برسالة الجامعات.
التعليم العالي في السودان لا يحتاج فقط إلى قرار سياسي… بل إلى مشروع وطني لإعادة البناء.”
*شاهد على الخراب: حين تتحول الجامعة إلى أطلال*
حين عاد الدكتور عبد الله الكردي إلى جامعته بعد شهور من الحرب، لم يجد القاعات كما تركها، بل وجد:
* مباني مهدمة، ومكتبات منهوبة
* مختبرات مدمّرة، وأجهزة إلكترونية منهوبة
* بيئة نفسية يطغى عليها الحزن والذهول
> “جامعة أم درمان الإسلامية في الصالحة كانت في منطقة اشتباكات، وتعرضت لتخريب ممنهج…
> مشهدها اليوم لا يُحتمل… ويبعث على الحزن العميق”.
> لا للعودة الرمزية… نعم لإعادة التأسيس
> “كلنا نتمنى فتح الجامعات… لكن الأمنيات لا تكفي.
> نحتاج إلى خارطة طريق شاملة، تبدأ من الترميم، ولا تمتد بالدعم النفسي للطلاب .”
*الخطوات العشر التي اقترحها د. الكردي كشرط لعودة جامعات حقيقية:*
١. إعادة ترميم المباني الجامعية والمرافق
٢. توفير المعينات التعليمية والتقنية
٣. عودة الكوادر التدريسية والإدارية
٤. ضمان عودة الطلاب وانتظامهم
٥. فرض الأمن ووقف الضرب العشوائي والقصف
٦. توفير خدمات الكهرباء والمياه والنقل
٧. إنشاء مراكز دعم نفسي للطلاب والأساتذة
٨. تنشيط برامج التنمية البشرية داخل الجامعات
٩. تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية
١٠. إطلاق مبادرات للتواصل مع العالم الخارجي لدعم الجامعات السودانية
الجامعة ليست مقاعد فقط… بل بيئة نفسية وإنسانية
> “لا يمكن أن نعيد الطلاب إلى قاعات ما زالت فيها رائحة البارود…
لابد من جلسات، ورش، ندوات… إعادة بناء الوجدان قبل الجدران.”
*رسالة إلى الدولة والمجتمع*
> “نعم، نريد فتح الجامعات،
لكننا،،،
> لا نريد إعادة إنتاج الهشاشة…
> نريد إعادة فتح للجامعات على أسس تعافٍ، وأرضية صلبة تليق بعقول شباب هذا الوطن.”
جامعة أم درمان الإسلامية… شهادة أخرى تُضاف لسِفر الفداء الأكاديمي، وتؤكد أن الجامعة ليست بناية تُفتح، بل رسالة تُؤسّس.
*”لن نعيد بناء السودان بالحجارة فقط، بل بالأفكار أولًا”*
في منعطف آخر غير بعيد، وبين أطلال الخراب وتباشير التعافي، يُطل علينا رائد ركن(م) / أحمد عوض عثمان – إداري بمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية ، ليرفع راية مراكز الدراسات والبحوث، تلك المؤسسات التي لا تخرج في الأخبار، لكنها تصنع السياسات في الخفاء، وترسم ملامح المستقبل قبل أن يُكتب على الجدران.
*المشهد الأول: مراكز بلا سقف… وباحثون بلا وطن*
مع بداية الحرب، انهارت الجدران، ثم غابت العقول، ثم انقطع الحبل المعرفي بين الداخل والخارج.
فما الذي تبقّى من مراكز البحث السودانية؟
سوى اسمٍ قديم على لافتة مهترئة؟
التحديات الخمسة التي قتلت مراكزنا – يعددها/ أحمد عوض فيما يلي :
١. البنية التحتية المحطّمة
٢. نزيف العقول وهجرة الكفاءات
٣. التمويل الغائب واللامبالاة الرسمية
٤. الانغلاق على الذات وانقطاع الشراكات
٥. غياب رؤية استراتيجية متكاملة لدور البحث العلمي
*ولكن الأمل لا يُقصف…*
> “ثمة ضوء في نهاية النفق… وفرص تنتظر من يلتقطها”
رغم الركام، يلتقط عثمان إشارات تعافي عبر توفر مايلي:
١. إرادة وطنية بدأت تنضج داخل الشعب والدولة
٢. كفاءات سودانية في الشتات… تنتظر جسرًا للعودة أو العطاء عن بُعد
٣. إمكانيات الدعم الأممي والإقليمي المتاح لبرامج السلام وبناء المؤسسات
٤. التحول الرقمي والتقني الذي يمكن أن يحل مؤقتًا محل البنية التقليدية
٥. جيل شاب متعلم… ثروة بشرية صامتة بانتظار الإشعال
ويطرح احمد عوض توصيات التي اطلق عليها خارطة طريق لبعث المراكز من تحت الركام:
١. تأسيس هيئة وطنية تنسّق الجهود البحثية لما بعد الحرب
٢. استعادة الكفاءات العلمية المهاجرة بالتكريم أو التمكين عن بعد.
٣. إنشاء مراكز متخصصة لقضايا وطنية ملحّة (السلام – التنمية – العدالة)
٤. بناء شراكات ذكية بين الدولة والقطاع الخاص والتمويل الدولي
٥. سن قوانين تضمن استقلالية المراكز وتحمي حرية الفكر والتحليل
٦. تفعيل الاتفاقيات المعرفية مع مراكز الداخل والخارج
٧. إدماج مراكز الدراسات في عمليات التخطيط الاستراتيجي القومي
٨. تحويل بعض المراكز إلى منصات رقمية بحثية بتقنيات حديثة
٩. ربط البحث العلمي بالتعليم العالي في منظومة متكاملة
١٠. إطلاق صندوق وطني لدعم البحث العلمي المستدام
يختم عثمان افادته بانه:
> “في مرحلة ما بعد الحرب، نحن لا نعيد بناء مبانٍ فقط… بل نبني دولة من أفكار، ومؤسسات من شفافية، ومستقبلًا من علم.”
> وإن كانت الجيوش قد دفعت الثمن في الميدان،فإن مراكز الدراسات هي من سيكتب كيف نحفظ النصر… وكيف نبني عليه.”
*حين تكتب الجامعات ملحمة وطن*
في زمنٍ تكسرت فيه السيوف على صخور المعاناة، وشاخت فيه العناوين في وجه السؤال الكبير: “من يُنقذ هذا الوطن؟” — خرجت الجامعات السودانية لا كما عهدناها مؤسسات تعليم، بل كما لم نعهدها يومًا: منائر نورٍ في ليل العتمة، ومرايا كرامة في زمن الانكسار.
من تخوم الضعين، صعد صوت البروفيسور/ علي يونس بريمة، لا مجرد أستاذٍ في محراب العلم، بل أبٌ لجراح الطلاب، وناطقٌ باسم حناجرهم المبحوحة. كان كما السحابة، لا تروي الأرض فحسب، بل تهمس في أذن السماء: “هؤلاء أبنائي، ومستقبل هذا الوطن لا يُدار إلا بعقولهم.”
ومن ضفاف وادي النيل، خرجت البروفيسور/ إيمان إبراهيم محمود عبده لا لتدرّس فقط، بل لتعيد تعريف معنى “أن تكوني امرأةً في زمنٍ جاف”، تمشي بين أروقة الجامعة كأنها القصيدة التي كتبها الوطن على ضفاف التعب، وكأنها تهمس: “حواء هنا، لا تُقصى ولا تُكسر، بل تُعلّم وتُلهِم.”
وفي جامعة أم درمان الإسلامية، حيث تختلط المآذن بصدى المعرفة، وقف الدكتور/ عبدالله الكردي، نموذجًا نادرًا لوطنية لا تصرخ، بل تعمل بصمت النيل وهو يصنع الحياة. التزامه بالعلم كان صلاةً، وقيمه كانت أركانًا لمحراب وطنٍ جديد نكتبه رغم الطين والرصاص.
أما أحمد عوض عثمان، فقد تحدث من حيث تسكن الفكرة لا العاطفة، ليُذكّر الجميع أن مراكز الدراسات ليست رفاهًا ذهنيًا، بل بوصلةٌ لوطنٍ يتيه بين الركام. صوته لم يكن صارخًا، لكنه عميق، مثل نهرٍ جوفي يروي جذور السودان دون ضجيج.
ثم جاء الصوت الهادر، الطازج، الحر، المفعم بالحياة من جامعة الزعيم الأزهري — طلابٌ لم يقبلوا بدور المتفرّج، بل كتبوا على جدران الحصار: “نحن الجيل الذي يعلّم الحصار كيف يُهزم.” كانت كلمتهم صلبةً كالحجارة، نقيّة كالأحلام، عنيدة كأنها روح الزعيم ذاتها تعود لتصنع من الجامعة خندقًا من نور.
وهكذا، لم تكن الجامعات السودانية مجرد فصول وأقلام… بل كانت جباهًا لا تنحني، وصروحًا لا تنهار، وجبهاتٍ تُقاتل بلا رصاص، لكنها تُحرّر الوطن من جهلٍ قاتل، ومن يأسٍ قاتل، ومن موتٍ بلا معنى.
إنهم لا ينتظرون اعترافًا… بل يصنعون التاريخ.
لا يبحثون عن المجد… بل هم المجد.
ومن حبرهم، من صبرهم، من فكرهم،،،،
*يكتبون…*
*بعودة الجامعات السودانية، نبني سودان الكرامة من جديد.*