أهدى إليّ أخي الكريم الباشمهندس (محمد عبد العزيز) خمسة كتب دفعة واحدة في تخصصي من مكتبته العامرة، التي تضم أكثر من ألف كتاب، قبل أن تطالها يد التخريب والتمزيق والنهب إبّان اجتياح منزله من قبل من لا يراعون إلًّا ولا ذمّة. ومن بين هذه الكتب، كان هناك كتاب قيّم بعنوان “صناعة المستقبل” لمؤلفه نعوم تشومسكي.
يُعد نعوم تشومسكي أحد أبرز المفكرين العالميين الذين كرّسوا جهودهم لنقد البُنى المهيمنة في السياسة الدولية. وكتابه “صناعة المستقبل”، في طبعته الرابعة (2019) الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، عبارة عن 51 مقالة نُشرت في صحيفة نيويورك تايمز بمعدل مقالة شهرية خلال الفترة من أبريل 2007 وحتى أكتوبر 2011م.
ورغم أنّ تشومسكي يهودي الديانة، فقد دافع بشجاعة عن الحق الفلسطيني في إقامة دولتهم، وفضح السياسات الأمريكية والصهيونية تجاه الفلسطينيين أكثر مما فعل بعض العرب أنفسهم.
اشتهر تشومسكي بنقده للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، ولرأسمالية الدولة، ولوسائل الإعلام الغربية المهيمنة. وقد ألّف أكثر من 100 كتاب عن الحروب والسياسة والإعلام، من بينها كتابنا هذا، وكتاب “احتلوا”، وكتاب “غزة في أزمة”. ويُعدّ في المرتبة الثامنة عالميًا من حيث المراجع الأكثر استشهادًا بها على الإطلاق.
تشومسكي عالم لغوي وفيلسوف ومنطقي ومؤرخ وناقد وناشط سياسي أمريكي، وُلد عام 1928م. ويُعدّ كتاب “صناعة المستقبل” إضافة نوعية إلى حقل الدراسات النقدية في العلاقات الدولية، إذ يجمع بين التحليل اللغوي العميق والرؤية السياسية الجذرية، ما يجعله مرجعًا مهمًا لفهم آليات الهيمنة التي تمارسها القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة وسبل مقاومتها.
يعتمد تشومسكي في أغلب كتاباته على نتائج الاستطلاعات ودراسات الرأي العام المحلي والدولي. كما يستند إلى مدرسة التبعية والنظرية النقدية، كاشفًا التناقضات البنيوية في النظام الرأسمالي العالمي.
يبرز الكتاب دور المجمع الصناعي العسكري والإعلام الغربي كأدوات لترسيخ الهيمنة، مع التأكيد على أن “صناعة المستقبل” ليست حكرًا على النخب، بل يمكن للشعوب أن تشارك فيها عبر المقاومة المنظمة.
يحاول المؤلف تحليل السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، مثل حربي العراق وأفغانستان والملف الإيراني، ويشير إلى أن الدعاية الإعلامية تُستخدم لتبرير التدخلات تحت شعارات مثل “نشر الديمقراطية”. ويقول تشومسكي في هذا السياق:
“السلطة التي لا تُبرر نفسها هي سلطة غير شرعية، وعلى الحكام إثبات شرعيتها، لا على المحكومين دحضها.”
كما يناقش تداعيات الأزمة المالية العالمية (2008) باعتبارها نتيجة طبيعية لسياسات الليبرالية الجديدة، مؤكدًا أنّ الطبقات الوسطى والفقيرة هي التي تحمّلت العبء الأكبر من تبعاتها. ويرى أنّ التحركات الشعبية – مثل الربيع العربي والاحتجاجات ضد العولمة – تُظهر إمكانية تحدي الهيمنة، لكن نجاحها يتطلب وعيًا جماعيًا وتنظيمًا طويل الأمد. ويذكّر بقوله:
“التاريخ لا يُصنعه الأقوياء وحدهم، بل أيضًا أولئك الذين يرفضون الخنوع.”
من منظور العلاقات الدولية، يمكن قراءة كتاب تشومسكي عبر عدة نظريات:
1. الواقعية النقدية: تكشف استخدام القوة العسكرية والاقتصادية لفرض الهيمنة.
2. ما بعد الاستعمار: تُظهر استمرار أشكال السيطرة الغربية بعد نهاية الاستعمار التقليدي.
3. النظرية الماركسية: تفسر تصاعد نفوذ الشركات العابرة للقارات في صياغة السياسات العالمية.
أما أبرز انتقادات خصوم تشومسكي فتتمثل في:
1. تجاهله نسبيًا لصعود قوى جديدة مثل الصين.
2. تفاؤله الكبير بقدرة الحركات الشعبية على التغيير دون هياكل مؤسسية داعمة.
- الدلالات السياسية للكتاب:
- ضرورة التحرر من التبعية الفكرية والسياسية للغرب.
- أهمية بناء تحالفات دولية بديلة قائمة على تضامن الشعوب لا النخب.
- تفكيك الخطاب الإعلامي المهيمن الذي يقدّم مصالح القوى الكبرى على أنها مصالح عالمية.
ناقش الكاتب قضايا ذات أولوية في العلاقات الدولية، مثل:
- الحروب في أفغانستان والعراق.
- صعود الصين.
- الربيع العربي.
- أزمة 2008 المالية.
- سباقات الانتخابات الأمريكية.
- تحولات أمريكا اللاتينية نحو اليسار.
- الانتشار النووي وفلسطين.
ينتقد تشومسكي الهيمنة الأمريكية وسياساتها الخارجية، محذرًا من خطورة الإنفاق العسكري الضخم وسيطرة المجمع الصناعي على القرار السياسي. ويؤكد على أهمية النضالات الشعبية، مثل حركة “احتلوا وول ستريت”، داعيًا لمواجهة غطرسة الشركات وعدم المساواة وعدم الاكتفاء بالديمقراطية الشكلية.
في رأيي الشخصي، يمثّل هذا الكتاب رؤية نقدية محفزة على الفهم العميق للأحداث، خصوصًا بالنسبة للعالم العربي. فهو يكشف كيف تسعى القوى الكبرى لصناعة واقع عالمي جديد يخدم مصالحها، مستخدمةً الإعلام والاقتصاد والقوة العسكرية، بينما يبقى المستقبل مرهونًا بوعي الشعوب وقدرتها على تنظيم المقاومة المدنية.
إن كتاب “صناعة المستقبل” ليس مجرد نقد للواقع الدولي، بل دليل عملي لتحويل المقاومة النظرية إلى فعل سياسي منظم، ويظل مرجعًا أساسيًا لكل باحث في العلاقات الدولية والنقد السياسي.
وعمومًا، أهدي هذا الكتاب لكل من لا يزال يراهن على الوعود الأمريكية والغربية وأذرعها من وكالات الأمم المتحدة، مؤكّدًا – كما يبين تشومسكي – أنه:
“لن تقوم ديمقراطية في العالم العربي تتعارض مع مصالح أمريكا، و إن شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي ليست سوى أدوات للتدخل والسيطرة على الموارد.”
لقد نجح تشومسكي في إيصال هذه الحقيقة بوضوح من خلال كتابه “صناعة المستقبل”.

