أُجريت دراسة استطلاعية شاملة بواسطة مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام بتاريخ 17 سبتمبر 2025، شملت 66,490 مشاركًا من داخل السودان وخارجه بهدف رصد اتجاهات الرأي العام تجاه إعلان ما يسمى بـ”حكومة تأسيس”. تأتي هذه الدراسة في لحظة حرجة من الحرب السودانية، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية مع محاولات إعادة رسم المشهد السياسي، وتكشف عن مستوى وعي الشعب السوداني تجاه المخاطر المحتملة على وحدة البلاد واستقرارها.
تشير نتائج الاستطلاع إلى رفض شعبي واسع ومؤثر تجاه الإعلان، حيث عبرت الغالبية الساحقة من المشاركين عن رفضهم القاطع للفكرة، معتبرين أنها محاولة لإعادة رسم ملامح السلطة على حساب وحدة البلاد، وربطوها بمحاولات لإحياء الانقسامات العرقية والجهوية، وفرض مشروع أيديولوجي جديد على المجتمع الدارفوري المحافظ. يعكس هذا الإدراك الشعبي وعيًا كبيرًا بتأثير الإعلان على البنية الاجتماعية والسياسية في السودان، ويدل على رفض المواطنين لأي محاولات لتغيير طبيعة الحكم أو الهيكل المجتمعي القائم.
كما أظهر الرأي العام وعيًا بالصلة بين إعلان حكومة التأسيس وانحسار الدعم السريع، إذ اعتبر معظم المشاركين أن الإعلان يمثل محاولة لصرف الأنظار عن التراجع الميداني لقوات الدعم السريع، وإدخالها في السلطة عبر مشروع سياسي–عسكري مرتبط أيضًا بطموحات شخصية لعائلة (آل دقلو) لتحقيق “حلم الرئاسة”. ويبرز هذا البُعد الشخصي–الأسري كعامل يضعف أي محاولة لتسويق المشروع كخيار وطني جامع، ويزيد من شكوك الرأي العام حول أهداف الإعلان الحقيقية.
وفيما يتعلق بالقوى السياسية، تبين أن موقف الحكومة الشرعية والحركات المسلحة تجاه الإعلان واضح ويرجح الرفض، بينما المعارضة المدنية تبدو منقسمة بين مؤيد جزئي وداعم كامل ورافض، ما يعكس هشاشة التوافق الداخلي وصعوبة إيجاد موقف موحد يعزز أي مشروع مماثل. أما البُعد الدولي والإقليمي، فقد أظهر المشاركون تشككًا في احتمال اعتراف المجتمع الدولي بالإعلان، مع قناعة بأن الإعلان يسعى لرفع شرعية المشروع على الصعيد الخارجي، وربطوا ذلك لاحتمال استلهام النموذج الليبي بدعم خارجي، ما يعكس قراءة واعية للمخاطر الإقليمية المحتملة.
على صعيد العمليات الميدانية، توقع المشاركون أن إعلان حكومة التأسيس سيؤدي على الأغلب إلى تصعيد الصراع العسكري، مع اعتبار المواجهة الأمنية والعسكرية الإجراء الأكثر فعالية لإفشال المشروع، متقدمة بذلك على الحلول القانونية أو الإعلامية أو الدبلوماسية. كما أشار المشاركون إلى أن المشروع يستهدف دمج الدعم السريع في الحكم البديل، بينما من المرجح أن يواجه صعوبات كبيرة في انسجام المكونات الاجتماعية الدارفورية معه، الأمر الذي يزيد من حدة الرفض الشعبي ويحد من إمكانية التوافق المحلي.
تحليل النتائج يكشف عن عدة أبعاد رئيسية: البُعد السياسي يظهر عزلة كبيرة للمشروع وفقدانه لأي شرعية شعبية؛ البُعد الأمني يوضح ميل الشارع نحو الحسم العسكري؛ البُعد الاجتماعي والثقافي يشير إلى إدراك مخاطر فرض أيديولوجيا علمانية جديدة؛ البُعد الجهوي يؤكد أن المشروع يهدد وحدة البلاد ويعيد إشعال الانقسامات العرقية، أما البُعد الشخصي–الأسري، فيبرز الطموحات الفردية التي تقف وراء الإعلان.
باختصار، يظهر استطلاع الرأي أن الإعلان لا يتمتع بأي قبول شعبي أو شرعية سياسية حقيقية، وأن المجتمع السوداني يقرأه كمشروع تهديدي لوحدة البلاد واستقرارها، مع إدراك واسع للبعد العسكري والأيديولوجي والاجتماعي للإعلان، ويضع أمام صانعي القرار تحديات واضحة تتعلق بالحفاظ على وحدة البلاد وفرضية الاستقرار الوطني.
التوصيات التحليلية
استنادًا إلى نتائج الاستطلاع وتحليلها، يمكن اقتراح عدة توصيات عملية:
1/ تقوية خطاب الوحدة الوطنية وربطه برفض المشاريع الانقسامية لضمان استقرار البلاد.
2/ إبراز الأبعاد الأيديولوجية والاجتماعية والعرقية للإعلان في الحملات الإعلامية لتوضيح مخاطره للجمهور والمجتمع الدولي.
3/ استخدام شبه الإجماع الشعبي لإقناع القوى الدولية بعدم جدوى دعم المشروع، وقطع الطريق أمام أي اعتراف خارجي.
4/ توحيد صفوف القوى الوطنية الرافضة للمشروع ومعالجة الانقسامات داخل المعارضة المدنية لضمان موقف موحد وفعال.
5/ إعداد إستراتيجية متكاملة تشمل الإجراءات الأمنية والإعلامية والدبلوماسية لإفشال المشروع داخليًا وخارجيًا.