Popular Now

وجه الحقيقة | حكومة إدريس… بين الدولة و الفوضى .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

التنسيق الحكومي المتكامل ضرورة حتمية لبناء دولة مؤسسية فاعلة .. بقلم مستشار/ احمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عودة الدولة…أم عودة الأشخاص ؟! .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

الشفافية والاستدامة .. بقلم/ حمدي عباس إبراهيم .. مستشار اقتصاد زراعي

بنهايات القرن العشرين، بكل ما فيه من أحداث و علامات و وقفات، ومنذ بزوغ فجر هذا القرن، الذي يطلق عليه عصر العولمة، سادت و ترسخت مفاهيم كثيرة، صارت لها مدلولات علمية وعملية مؤثرة في حياة الشعوب على مستوى الدولة الواحدة، وبين الدول و الشعوب العالمية. كل هذه المفاهيم تصب في خانة هدم الحواجز و الجدر و المتاريس بين شعوب العالم إضافة لخلق مناخ آمن لحياة الإنسان.. و بالضرورة بل بالحتمية تؤدى لموائمة المواقف و تقبل انتقال المفاهيم و قواعد التعامل الأساسية بين الشعوب والدول. هذه المفاهيم تؤسس لتمكين الشعوب في كل دول العالم من حقوقها الأساسية ومنع أي سيطرة مفروضة أو غير شرعية تحول دون تلك الحقوق. أصبح من لا يجاري ذلك ولا يتعامل معه بكل الفهم و الوعى و المصداقية، في حالة انعزال و تجزر؛ لا يجنى النتائج السلبية من التهرب والانعزال إلا من كان في هذا الموقف طوعًا أو كرهًا.
من المعاني و التعابير و المفاهيم التي أصبحت شائعة بل راسخة في عالمنا المعاصر: الشفافية و الاستدامة. ففي العالم المتحضر والمتقدم والجاد، أصبحت لمفاهيم الشفافية والاستدامة.
مدلولات علمية و عملية تؤخذ في الحسبان و تطبق تطبيقًا عمليًا عند وضع السياسات، و في مجال التخطيط، تنفيذًا و متابعة و تقويمًا بعد التقييم.
فالشفافية لا تعني بيان المقصود بالإعلان عند القرار ، ولا التعامل و التعاطي المباشر للمسائل فقط، بل الحرص الأكيد و الصادق على إشراك كل من يعنيه الأمر في تحديد الأهداف والسياسات، و جمع البيانات، و تحليلها، و تبادل الأفكار و الآراء و أخذ المعلومة من مصادرها مباشرة، وكذلك بتقدير و احترام الرأي الآخر و أخذه في الحسبان عند الوصول لمرحلة اتخاذ القرار . إضافة لذلك إتاحة المجال للرأي الآخر المخالف واحترامه و إسناده بكل صدق و وضوح و تجرد لمصدره.
إن الحرص على إشراك كل المعنيين بأي أمر يكون أوجب و أكبر أثرًا في مرحلة ما قبل اتخاذ القرار، ليكون دافعًا حقيقيًا للمشاركة في التنفيذ و التقييم و التقويم بذات الروح الشريك الحقيقي. في الدول المتحضرة  أصبح هدف الوصول لإجماع رأي كلى أو إجماع أغلبية ساحقة ، خاصة في المسائل التي تستند على العلمية و الموضوعية، المنهج الأساسي لمتخذي القرار على أي مستوى.  حتمًا أي قرار ، أيًا كان مجاله، تكتب له فرص القبول و النجاح عند التطبيق لو اتبعت الشفافية بمعناها العلمي و الحقيقي في كل مراحل اتخاذه و وتنفيذه وتقييمه.
أما الهدف والأثر الأسمى والأهم للالتزام بالشفافية، فهو منع وكشف أي انحرافات قد تفتح الباب لأنواع متعددة من الفساد السياسي والمالي والإداري والأخلاقي وغيرها. كثير من دول العالم الثالث المتخلفة تعانى من الفساد، بصورة أو أخري لانعدام الشفافية، خاصة بين الحاكم والمحكوم. الفساد يعتبر الكابح الأساسي للتطور أو التقدم في عالم اليوم خاصة في دول العالم الثالث.
لكل هذا وفى إطار مقولة أن العالم بأكمله صار قرية واحده فقد تم في عام 1993 إنشاء منظمة الشفافية العالمية التي اتخذت من برلين في دولة ألمانيا مقرًا لها. هذه المنظمة مستقله وغير ربحية؛ وقد انضمت لعضويتها ١٨٠ دولة حتى الآن. أهم أهداف منظمة الشفافية محارية الفساد بكل أنواعه كما مضمن في قوانينها ولوائحها. بناء على معايير ومؤشرات محددة متفق عليها ومعلنه، يتم تقييم حالة الفساد في الدول الأعضاء وإصدار تقارير سنوية راتبة بشأن ذلك.
هذه المعايير تستند على المادة الخامسة من اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الفساد. المؤشرات والمعايير التي بموجبها يتم تقييم الدول ودرجة النظافة أو الفساد فيها تتمثل في: مكافحة الفساد ، فعالية الحكومة ، الاستقرار السياسي، وجود التشريعات ،سيادة القانون، المشاركة والمساءلة. وبناء على استبيانات دورية دقيقة يتم إصدار النتائج السنوية بحيث تمنح الدول نسب على مقياس للشفافية من (100) إلى (0) . الدرجات الأعلى للدول الأكثر نظافة و الدرجات الأدنى للدول الأكثر فسادًا. منذ بداية عمل هذه المنظمة ووفق لتقاريرها المنشورة سنويا ظل عدد معين من دول أوربا واسيا على القمة وكثير من دول أخرى في آسيا و أفريقيا في الذيل دائمًا.
وبالنسبة للسودان ظل دائما طيلة العقود الأخيرة من ضمن مجموعة أدنى القائمة التي يسود فيها الفساد.
التقرير الأخير عن العام 2024 الصادر في فبراير 2025 كانت دول القمة الأكثر نظافة في معيار الفساد العالمي بالترتيب هي: الدنمارك، فنلندا، سنغافورة، نيوزيلندا، لوكسمبيرج، النرويج، سويسرا، السويد. هولندا و استراليا.
أما الدول التي وردت في أدنى القائمة حسب الترتيب من بين ال 180 دولة، وهى الأكثر فسادًا بناء على ذات المعايير في تقرير 2024، فقد كانت بالترتيب التالي: السودان، نيكاراجاو، إكوادور، إريتريا، ليبيا، اليمن، سوريا، فنزويلا، الصومال و جنوب السودان. وقد أحرزت كل منها على التوالي الدرجة التالية من(100):
15- 14- 13- 13-13- 13–12-10- 9- 8.
لا شك أن الالتزام بمنهج الشفافية يؤدى لتطبيق عملي و فعلى لمعاني وقيمة الاستدامة، و التي يتأكد بها أن العلمية و المصداقية والمشاركة و احترام الرأي الآخر كانت السبيل و المنهج للوصول للقرار أو الخطة أو البرنامج ، و بالتالي ضمان الاستمرارية وعدم الحاجة للتغيير و التبديل المستمر بسبب ظهور مستجدات أو معلومات أو آراء أو مواقف لم تؤخذ في الحسبان. إن الاستدامة لا يمكن التوصل لها إلا بأخذ كافة العوامل ذات الصلة: القريبة و البعيدة، الآنية و المستقبلية، الداخلية و الخارجية في الحسبان، و لا يتأتى ذلك إلا باشراك جميع من له صلة بأمر ما في بلورة الرؤيا و الفكرة.
الشفافية و الاستدامة في السودان نجد أنها لدى الكثير من المخططين أو متخذي القرار السياسي أو الإداري أو الكتاب أو المتحدثين ما هي إلا حذلقة مثقفين و تحلية حديث وخطب و تمشدق بالجديد من التعابير دون أدنى محاولة أو نية في التطبيق العملي، و دون غوص أو سبر لمعانيها العميقة، و في كثير من الأحيان ليس جهلًا بذلك بل تجاهلًا وتضليلًا. البعض خاصة في عالم ساس يسوس ومن دار في فلكه من المنتفعين و الطامعين والراغبين والتوابع يظنون أن مجامع الفكر و الكلم بدأت و تنتهى بهم، ونسوا في سكرة الموقع المؤقت: وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا ؛ و أن نصف رأيك عند أخيك ؛ وأنه ما خاب من استشار؛ تلك التوجيهات الإلهية و الرسالية و الثقافية التي تلزم بالتفاكر و الشورى ثم التوكل بعد العزم. فهلا رجعنا لأصول تقاليدنا و ثقافتنا، وقبل كل ذلك لموجهات ديننا الحنيف، حتى نستبين كيف يمكن أن يكون لنا موقعا مناسبا في هذا العالم الذي سبقنا كثيرًا. العالم تعرف على كل هذا الإرث الديني و الثقافي مطبقًا بأيدي غير إسلامية، في بلاد غير مسلمين ، حتى قيل أن هنالك إسلامًا من غير مسلمين.
لذا بالتزام الشفافية التزامًا علميًا وعمليًا صادقًا يمكن أن تكون لا نظمتنا السياسية والإدارية والثقافية مكان واحترام لدى شعب السودان، صاحب الحق الأصيل في تسيير أموره ، دون فوقية أو وصاية. كما نؤمن لبلدنا الموقع اللائق المناسب في هذا العالم المتلاطم الأمواج، وبه نستعيد مجدنا الضائع، ونبنى مستقبلا حديثا يحلم به شباب السودان المستنير. بهذا وحده يمكن أن نكون جديرين بان نصبح جزء فاعل في الأسرة العالمية المتحضرة.

سبتمبر ٢٠٢٥ م

المقالة السابقة

الحروب الفيضانات والسيول والأمطار والجفاف والتصحر كوارث تتكرر كل عقد/ عام في السودان .. بقلم د..بابكر عبدالله محمد علي

المقالة التالية

قراءة وتوصيف .. حماس .. بقلم/ أحمد الزبير محجوب

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *