🔴 في السنوات الأخيرة تزايدت شكوى الأساتذة من ضعف المرتبات وعدم إجازة الهيكل الراتبي الجديد، حتى غدت هذه الأزمة حديث المجالس الجامعية، وهاجس كل أستاذٍ يقف على منصةٍ أو يجلس في معملٍ أو يكتب بحثًا تحت ضوءٍ خافتٍ في ليلٍ طويلٍ لا يكاد يُسفر عن فجرٍ اقتصاديٍّ قريب.
هذه الشكوى، وإن بدت مطلبًا معيشياً عادلاً، فإنها في حقيقتها تمسّ صميم “السردية العلمية” في السودان، أي ذلك العقد غير المكتوب الذي يجعل الأستاذ الجامعيّ يرى في مهنته رسالةً لا وظيفة، وفي علمه تكليفًا لا ترفًا.
غير أن هذا العقد المعنوي بدأ يتآكل، لا لأن الأساتذة فقدوا إخلاصهم، ولكن لأن الدولة فقدت بوصلة التقدير. فمنذ اندلاع الحرب وما سبقها من اضطراب اقتصادي، أصبح راتب الأستاذ الجامعي – بكل ما يحمله من مؤهلات أكاديمية وتجارب علمية – لا يفي حتى بتكاليف أسبوع واحد من المعيشة الكريمة. وتفاقم الأمر مع تجميد الهيكل الراتبي الذي أُعد منذ سنوات وظلّ رهين الأدراج ينتظر توقيعًا لا يأتي.
لقد تحوّل الأستاذ الجامعي في السودان من رمزٍ للثقة العامة إلى رمزٍ للخذلان الرسمي. وأصبح يرى بأمّ عينيه الفجوة بين الخطاب الذي يمجّد “العلم والمعرفة”، وبين الواقع الذي يهمّش حملة العلم ويقصيهم من أولويات الصرف العام. وهي مفارقة تُفقد “السردية التعليمية” معناها، إذ لا يمكن لأمةٍ أن تُعلي من شأن المعرفة وهي تضع معلمها على هامش الحياة.
ولعلّ في هذا المشهد ما يذكّرنا بقاعدةٍ اجتماعيةٍ كبرى أشار إليها ابن خلدون حين قال إنّ “الترف مؤذن بخراب العمران”، ولكننا اليوم أمام نوعٍ آخر من الخراب، هو خراب المعنى، حيث يتحوّل العمل الأكاديمي من شغفٍ ومعنى إلى أداءٍ بلا روح. فكيف نرجو من أستاذٍ لا يجد قوت يومه أن يُبدع بحثًا، أو يُشرف على رسالة، أو يُلهم طالبًا؟
لقد فقدت الجامعات السودانية ما يُسمّى بـ”العصبية العلمية”، أي تلك الروح الجمعية التي تجعل الأساتذة يتنادون إلى غايةٍ وطنيةٍ واحدة هي بناء العقل السوداني. وتلك العصبية، كما يقول ابن خلدون، إن ذهبت تلاشى معها العمران، فكيف بالتعليم العالي الذي هو رأس العمران الحديث؟
ولكي لا نظلّ في دائرة الشكوى، لا بد أن نعيد النظر في “السردية الجامعية” نفسها. فالأمر ليس مجرد أرقامٍ في كشوف المرتبات، بل هو سؤال وجود: هل ما زالت الدولة السودانية ترى في الأستاذ الجامعي أحد ركائز نهضتها؟ أم أنها باتت تتعامل معه كما تتعامل مع موظفٍ عاديٍّ في إدارةٍ متقادمة؟
إنّ الهيكل الراتبي ليس مجرد هيكل مالي، بل هو هيكل رمزيٌّ لمعنى العلم ومكانته. فإذا ما ظلّ مجمّدًا، فإن الذي يُجمَّد حقيقةً ليس الراتب بل الرسالة.
وفي الحلقات القادمة نحاول أن نتناول، من زاويةٍ تحليليةٍ مقارنة، كيف نظّمت دولٌ خرجت من الحروب أو الأزمات المالية أوضاع أساتذتها، فجعلت من تحسين أوضاعهم مدخلًا لإعادة بناء الدولة نفسها. وسنرى أنّ نهضة الجامعة هي المقدّمة الضرورية لنهضة الوطن.
