[[ المفهوم القرآني للّسان واللغة وبين المفاهيم اللسانية الحديثة عند كبار علماء اللغة مثل نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) وفرديناند دي سوسير (Ferdinand de Saussure) ]]
لقد فرض مؤتمر كوكا للتاريخ والآثار واللغة 19 إلى 24 من أكتوبر الجاري واجبًا ودينًا ثقافيًا علي عاتق وخاطر البعض من المهتمين بهذا الجانب المهم، وخاصة في ظل التوجهات العالمية الماثلة [[ Megatrends]] بدءً من تغيرات المناخ إلى الواقع الثقافي بكل تبايانته الاجتماعية و موروثاته الثقافية، فهناك في أقصى الشمال الأفريقي تطفو علي السطح أشواق البربر إلى اللغة الأمازيغية، وفي مناطق الأكراد يتباهى الأكراد بلغتهم الأصيلة الكردية، وكذلك في إيران يتلمظ الفرس تعظيمًا للغتهم الفارسية وهكذا ..وكذا عند أهلنا الكرام النوبة يفتخرون بلغاتهم ولهجاتهم المحلية النوبية العريقة ويتوقون لبروزها وظهورها من جديد. وانطلاقًا مما برز من توصيات أعدت في هذا الجانب من تراث للغة النوبية من خلال أوراق أعدت للمؤتمر والذي انعقد برعاية كريمة من مركز [[ طه وتوفيق الخيري ]]
دعنا نفصّل الفكرة في ثلاثة محاور مترابطة من منظور الدين الإسلامي ودستوره القران الكريم:
أولًا: مفهوم اللسان واللغة في القرآن الكريم القرآن الكريم يستخدم كلمة “لسان” في مواضع متعددة، وغالبًا ما ترتبط بالهوية اللغوية للشعوب وبالقدرة الإلهية على التنويع والتواصل.
1. اللسان بوصفه وسيلة للتعبير والتبليغ:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾
(إبراهيم: 4)
هنا اللسان هو الأداة التي تُبلَّغ بها الرسالة، أي اللغة القومية التي يفهمها الناس.
2. اللسان كعلامة من علامات الاختلاف البشري:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾
(الروم: 22)
فالاختلاف اللغوي ليس مجرد تباين بشري، بل آية دالة على الإبداع الإلهي.
3. اللسان كقدرة إنسانية متميزة:
> ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4)
وهنا البيان يشير إلى القدرة العقلية على إنشاء الرموز والتواصل، أي جوهر اللغة الإنسانية.
إذن في القرآن:
اللسان = اللغة في بعدها الاجتماعي والتواصلي.
البيان = القدرة العقلية على النطق والفهم والتعبير.
ثانيًا: مفهوم اللغة عند دي سوسير.
فرديناند دي سوسير (1857–1913) مؤسس علم اللغة الحديث، ميّز بين ثلاثة مفاهيم رئيسية:
1. اللغة (langue): النظام الاجتماعي من القواعد والمعاني المشتركة في المجتمع.
2. الكلام (parole): الاستعمال الفردي لهذا النظام في الواقع.
3. اللسان (langage): القدرة البشرية على التواصل بالكلمات (أي الملكة اللغوية عمومًا).
بالمقارنة مع القرآن، يمكن القول إن “البيان” القرآني يقابل مفهوم “اللسان” عند دي سوسير، بينما “لسان القوم” في القرآن يقابل “اللغة” (langue) عنده.
ثالثًا: مفهوم اللغة عند نعوم تشومسكي.
تشومسكي (ولد 1928) أحدث ثورة في فهم اللغة عبر نظريته في النحو الكلي (Universal Grammar).
1. يرى أن الإنسان يولد مزودًا بـ قدرة فطرية على تعلم اللغة – ما يسميه الملكة اللغوية (Language Faculty).
2. هذه القدرة تسمح له ببناء جمل لا نهائية من عدد محدود من الكلمات.
3. يفرّق بين:
القدرة اللغوية (competence): المعرفة الضمنية بالقواعد.
الأداء اللغوي (performance): ما يُنطَق فعليًا في المواقف اليومية.
وهذا يقارب جدًا فكرة القرآن في قوله:
﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ — أي أودع فيه هذه الملكة التي تمكّنه من إنتاج الكلام وفهمه.
مقارنة موجزة:
الجانب القرآن الكريم دي سوسير تشومسكي اللسان لغة القوم وأداة البيان النظام الاجتماعي للغة الأداء الفعلي للملكة اللغوية البيان/القدرة فطرة إنسانية للتعبير والفهم اللسان (langage) الملكة اللغوية (Language Faculty)
الاختلاف بين الألسنة آية إلهية ظاهرة اجتماعية تنويع في تطبيق النحو الكلي الفطري مصدر اللغة تعليم إلهي «علّمه البيان» تطور اجتماعي فطري وعقلي
خلاصة فكرية:
القرآن الكريم يتحدث عن اللغة في إطار توحيدي إنساني:
هي هبة إلهية ووسيلة معرفة وتفاهم، وليست فقط نظامًا صوتيًا أو اجتماعيًا. أما دي سوسير فيرى اللغة نظامًا اجتماعيًا من العلامات، بينما تشومسكي يراها قدرة عقلية فطرية.والجميل أن المنظور القرآني يجمع بين الاثنين، فهو يعترف بالبعد الاجتماعي للّسان “لسان قومه” وبالبعد الفطري للبيان “علّمه البيان”.
ونواصل بإذن الله تعالي عن مفاهيم قرآنية عبرت عن كلمة اللغة [[باللغو واللهو]].
د. بابكر عبدالله محمد علي
باحث في علم اللغويات
