🔴 استعادة الروح الجامعية… حين يُصبح الطباشير سيفًا من ضوء
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حين تبلغ الأزمة أقصى مداها، يولد في رحمها فجرُ الوعي. وحين يكتمل الانكسار، يبدأ في الأعماق نهوضٌ آخر، أشبه بانبعاث الطين حين يبلله المطر الأول. وهكذا تبدو الجامعة السودانية اليوم: جسدٌ أرهقته الحرب، لكنّ روحها ما زالت تقاوم الخراب، وتحمل في أعماقها جذوةً لا تنطفئ كأنها تقول للدولة والمجتمع: “ما زلت هنا… ما زال في الطباشير بقية ضوء.”
فالجامعة ليست مبنىً تتداعى جدرانه، ولا لائحةً تذبل بين الأدراج، بل ضميرٌ جمعيٌّ يعيش في صدور أساتذتها وطلّابها، يقاوم العدم بمعناه، والفوضى بعقله واليأس بأملٍ خافتٍ يتسلل من نافذة الفكرة.
أولًا: الهيكل الرمزي قبل الهيكل المالي
إنّ رفع الأجور ضرورة العدل، لكنه ليس جوهر الإصلاح. فالكرامة لا تُشترى بالرواتب، بل تُستعاد بالرمز.
حين يفقد الأستاذ الجامعي هيبته، يفقد المجتمع ميزان حكمته. فالمسألة ليست كم يتقاضى من أجر، بل كم يُمنح من قدر.
إنّ إصلاح الجامعة يبدأ من إحياء مقام الأستاذ في الوجدان العام؛ أن يُستشار لا أن يُستثنى، أن يُستدعى إلى صناعة القرار لا أن يُهمَّش عند اتخاذه. فالأستاذ ليس موظفًا في جدولٍ بيروقراطيٍّ، بل هو صوت العقل في زمن الضجيج ومجسُّ الضمير في دولةٍ تتلمّس طريقها بين الركام.
ثانيًا: إعادة الحياة إلى المكان قبل الإنسان
الجامعات ليست حجرًا؛ إنها منازل للمعنى. والخراب الذي أصاب قاعاتها لم يكن في سقوفها، بل في أرواح من فقدوا الحافز واليقين.
المعامل يمكن ترميمها بالإسمنت، لكن المعنى لا يُرمَّم إلا بالحب، حب الفكرة، وحب الوطن، وحب المعرفة التي تُبقي الإنسان قائمًا وسط الانهيار.
ينبغي أن تستعيد الجامعة وظيفتها الكبرى: أن تكون فضاءً للحرية الفكرية، ومسرحًا للجدل النبيل، ومنبرًا يُعلي من صوت السؤال لا من صدى الجواب. ففي لحظات الحرب، لا تنجو الأوطان بالبندقية، بل بالعقل الذي يعرف متى يصمت ومتى يفكر ومتى يقول “لا” في وجه العبث.
ثالثًا: ربط الأجر بالأثر… لا بالحضور
لا عدالة في أن يتساوى من يُبدع بمن يُداوم. فالعطاء لا يُقاس بالزمن، بل بالأثر الذي يتركه في الوعي العام.
إنّ الهيكل العادل هو الذي يمنح الراتب للمعنى، لا للكرسي، ويكافئ من يزرع فكرة كما يكافأ من يحرس حدودًا.
ولن يتحقق ذلك إلا إذا تحرّر تقييم الأستاذ من بيروقراطية الرتب، وصار في يد لجان علمية نزيهة، ترى في الإبداع واجبًا وطنيًّا، لا هواية شخصية. فالجامعة التي تُكافئ الحضور وتنسى الإلهام، تخرّج أجيالًا حاضرة الجسد غائبة الروح.
رابعًا: الجامعة بوصفها آخر معاقل الوعي الوطني
في زمن الانقسام، حين تصير الجغرافيا شظايا والهوية رمادًا، تبقى الجامعة آخر خيمةٍ للعقل الجمعي، الميدان الوحيد الذي يمكن أن يتعانق فيه ابن الشمال مع ابن الغرب، وطالب الشرق مع أستاذ من الجنوب، فيتذكّر الجميع أن الوطن ليس ترابًا فحسب، بل فكرة تُعاش قبل أن تُرسم على الخريطة.
إنّ ما نسميه “العصبية العلمية” ليس حنينًا إلى الماضي، بل مشروع بقاء. فحين تتوحد الجامعات حول رسالتها، تتوحد الدولة حول عقلها. والعلم — كما قال ابن خلدون — لا يزدهر إلا بعصبيةٍ تحميه، ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى تلك العصبية التي تجعل من الطبشور رايةً بيضاء في وجه سواد الحرب.
خامسًا: من الشكوى إلى العهد الجديد
لقد طال الأنين، وآن أوان الفعل. لم تعد البيانات تكفي، بل نحتاج إلى ميثاق وطني جامع تُكتبه أيدي الأساتذة والطلاب معًا، عنوانه: “إحياء الجامعة السودانية كضميرٍ وطنيٍّ للنهضة القادمة.”
ويقوم هذا الميثاق على أربعة أعمدةٍ لا تقوم من دونها أمة:
1/ كرامة العيش: برفع المرتبات بما يليق بمقام الفكرة.
2/ كرامة المعرفة: بتخصيص نسبةٍ مقدّرةٍ من ميزانية الدولة للبحث العلمي.
3/ كرامة المشاركة: بإنشاء مجلسٍ وطنيٍّ يُعيد وصل الجامعة بالقرار العام.
4/ كرامة المعنى: بأن تعود القاعاتُ منابرَ للجدل الحرّ، لا قاعات حضورٍ إداريٍّ جامد.
حين ينهض الطباشير من رماده
الجامعة ليست في حاجةٍ إلى إعادة بناءٍ فحسب، بل إلى إعادة بعثٍ روحيٍّ شامل.
إنّ الطباشير الذي كتب به الأستاذ جيلًا بعد جيلٍ، ما زال قادرًا أن يكتب فجرًا جديدًا إذا وُضع في يدٍ مؤمنةٍ بالمعنى.
وإذا كان السلاح يحمي الجسد، فإنّ العلم يحمي الذاكرة، وحين تضيع الذاكرة تضيع الأمة.
فلتكن هذه اللحظة نداءً لإعادة ترتيب الأولويات: أن نعيد للأستاذ مكانته، وللجامعة هيبتها، وللوطن ذاكرته.
وحينها فقط، سيكتشف السودان أن الطريق إلى النهضة لا يُعبَّد بالذهب، بل بالعقول التي تكتب النور على سبورةٍ من الظلام.


