يمر السودان بمرحلة حرجة من تاريخه السياسي والاجتماعي، حيث يواجه تحديات معقدة تتعلق بالسلام الأهلي، وإدارة التنوع، وإعادة بناء الدولة بعد صراعات طويلة أرهقت المجتمع. وفي خضم هذه التحولات، يبرز سؤال محوري، كيف يمكن إشراك المواطن العادي، البسيط، لا المثقف وحده، في عملية الحكم وصناعة القرار؟
تاريخياً، ظلت الدولة السودانية تُدار من أعلى إلى أسفل، عبر نخبة سياسية وعسكرية محدودة عبر قبضة مركزية للقرار، بينما ظل عامة المواطنين مجرد متفرجين أو منفذين. هذا الواقع خلق فجوة عميقة بين المجتمع والدولة، وأسهم في تكرار الأزمات. ومن هنا تبرز الحاجة لفكرة جديدة: تأهيل المواطنين العاديين من خلال برامج تدريبية عملية، ليتولوا بأنفسهم بعض المسؤوليات الإدارية والتنظيمية في حياتهم اليومية، مما يضع حجر الأساس لحوكمة مجتمعية قاعدية قادرة على دعم الدولة وبناء السلام.
تتناول النظريات الكلاسيكية والحديثة للحكم عدة أبعاد مهمة:
– الإدارة البيروقراطية عند ماكس فيبر: حيث أوضح أهمية النظام والانضباط واللوائح لضمان عدالة الإدارة، مع التحذير من خطر جمود البيروقراطية.
– التجربة الإسلامية مع سيدنا عمر بن الخطاب: التي أبرزت قيمة إشراك الناس في الشورى، والعدل في توزيع المسؤوليات وتبسيط الإدارة لتكون في خدمة المواطن.
– النظريات الحديثة (فريد ريجز وآخرون): التي ركزت على أهمية المجتمع المدني والتنوع الثقافي في تشكيل أنظمة حكم أكثر مرونة.
المحصلة هنا أن الحكم يقوم على مؤسسات الدولة الرسمية، و يزيد تماسك إشراك المجتمع نفسه في الإدارة، خاصة في البيئات المتنوعة والمعقدة كالسودان.
يُعرف السودان تاريخياً بأنه بلد متسامح تتداخل فيه الأعراق والثقافات في نسيج واحد، غير أن الصراعات المسلحة والعنف السياسي أضعفت هذا التماسك.
إن الحوكمة المجتمعية المقترحة تقوم على إعادة بناء الثقة بين المواطنين عبر:
١. إحياء قيم الجيرة والتكافل: حيث يشترك الناس في حل مشكلاتهم المحلية مثل المياه والكهرباء والنظافة.
٢. نبذ العنف كوسيلة للتعبير عن المطالب: وذلك من خلال تدريب المواطنين على الحوار، والوساطة المجتمعية، وحل النزاعات بطرق سلمية.
٣. بناء ذاكرة مشتركة إيجابية: عبر أنشطة ثقافية وفنية ورياضية تُعيد للأذهان أن السودان وطن للجميع، وأن التباين فيه مصدر قوة لا سبباً للصراع.
التدريب العملي للمواطنين (الفصل الأهم)
هذا هو قلب الفكرة. فالمواطن لا يمكن أن يُطلب منه إدارة شؤون عامة دون أن يُمنح الأدوات والمهارات. لذا يُقترح برنامج تدريبي سنوي، بسيط وعملي، يتدرج فيه المواطنون لاكتساب الخبرة.
أهداف التدريب:
– تمكين المواطن من فهم دوره في الحوكمة.
– تنمية مهارات التنظيم والإدارة المحلية.
– إكساب الناس أدوات لحل النزاعات سلمياً.
– تحفيز روح المسؤولية الجماعية.
محاور التدريب
١. المحور الإداري: مبادئ الإدارة العامة، كتابة المحاضر، حفظ السجلات، الشفافية في جمع الأموال وصرفها.
٢. المحور الاجتماعي: كيفية تنظيم المبادرات المجتمعية (حملات نظافة، صيانة مدارس، دعم الفقراء).
٣. المحور السياسي/القانوني: مبادئ الدستور، معرفة الحقوق والواجبات، آليات المشاركة السلمية.
٤. المحور الثقافي والقيمي: تعزيز ثقافة التسامح، الحوار، نبذ القبلية الضيقة.
– خطة تدريبية مقترحة لعام كامل.
– ورش تأسيسية حول المواطنة والحوكمة.
– تدريب عملي على إدارة مبادرات مجتمعية صغيرة.
– تدريبات على إدارة النزاع وحل المشكلات سلمياً.
– مشروع تطبيقي (كل حي أو قرية ينفذ مشروعاً خدمياً بإشراف لجنة مدربة).
المؤسسات المجتمعية والوزارات المقترحة بعد التدريب
بعد إكمال البرنامج التدريبي، يمكن للمجتمع أن يشكّل مؤسسات شبه رسمية تدير شؤونه المحلية، وتتدرج نحو شراكة أكبر مع الدولة.
الوزارات أو الهياكل المقترحة للمواطنين المتأهلين:
١. وزارة الشؤون المجتمعية المحلية: تدير اللجان الشعبية والأحياء بعد إعادة هيكلتها.
٢. وزارة التماسك الاجتماعي وبناء السلام: تُعنى ببرامج المصالحة ونبذ العنف.
٣. وزارة التنمية المحلية: تركّز على المشاريع الصغيرة التي يقودها المواطنون (الزراعة، الأسواق، الخدمات، الصناعات المتناهية الصِغر).
٤. وزارة الثقافة والتربية الوطنية: لتغذية روح الوحدة والهوية الجامعة و نشر الوعي.
هذه الوزارات ليست كيانات بديلة عن الدولة، بل جسور بين المجتمع والسلطة المركزية، تضمن أن صوت المواطن مسموع وأن حاجاته المباشرة تجد معالجة سريعة.
إن إشراك المواطن السوداني العادي في إدارة شؤون حياته ليس ترفاً فكرياً، إنما هو شرط لبقاء الدولة ذاتها. فالدولة التي تستبعد غالبية سكانها، ولا تمنحهم أدوات المشاركة، تظل مهددة بالانهيار.
الحوكمة المجتمعية المقترحة هنا تُقدِّم تصوراً عملياً يقوم على التدريب، التماسك الاجتماعي ونبذ العنف. وهي صيغة تتماشى مع قيم السودانيين في التكافل والتسامح، وتستفيد من تجارب التاريخ البشري، بدءاً من عمر بن الخطاب، مروراً بفيبر وصولاً إلى نظريات الحوكمة الحديثة.
وبذلك، نكون قد وضعنا لبنة أولى في طريق طويل، لكن ضروري، نحو بناء سودان جديد يشارك فيه الجميع، لا نخبة محدودة، في صناعة المستقبل.
اغسطس ٢٠٢٥

