> من سلسلة الجسر والمورد: حين تتحول السيولة إلى سلاح، والمورد إلى ميدان.
في السياسة كما في الفقه، ثمة طلاقٌ لا رجعة فيه، لكنّ التاريخ لا يعترف بالبينونة الكبرى؛ فالكيانات، مهما ابتعدت، تعود لا بدافع الحنين، بل بحثًا عن معادلة تُنقذ المستقبل.
وهكذا تبدو جوبا اليوم: مدينة تستعيد بوصلة كانت قد انحرفت عنها.
لا تعود من موقع التبعية، بل من موقع الإدراك؛ إدراك أن الجغرافيا -رغم القطيعة- تبقى أعظم رأسمال سياسي يمكن لمدينة أن تمتلكه.
ومع تبدّل حسابات الإقليم، تتحرك أبوظبي في المشهد بدور “المحلّل” الاقتصادي.
لكن خطواتها اصطدمت بإيقاع جوبا الذي تبدّل فجأة:
إقالة نائب الرئيس، سحب الرتب العسكرية، تسريبات عن فتح الأجواء للطيران السوداني،ثم أنباء عن زيارة البرهان…سلسلة من المؤشرات تقول بوضوح:
الجنوب يعيد ترتيب البيت، لا لينكفئ، وإنما ليعود إلى جغرافياه التي صنعت معناه الأول.
—
من الجغرافيا إلى الجيواقتصاد: كيف تُموَّل الحرب بالنقد؟
العملة ليست مجرد ورق؛ إنها شهادة ولاء.
ومن يتحكم في السيولة، يتحكم في حركة الأرض ومن عليها.
لذلك لم يكن اتفاق المصرف المركزي الإماراتي مع بنك جنوب السودان حول الطباعة الأمنية لأنظمة الدفع مسألة تقنية فحسب؛ كان -وما زال- خطوة سياسية بامتياز، خاصة مع تقاطع مصالح أبوظبي مع مناطق نفوذ قوات الدعم السريع في دارفور وغرب كردفان.
إنها هندسة نقدية تبحث من خلالها الإمارات عن موطئ نفوذ ناعم، لكن حسابات الجغرافيا تتغير أسرع مما تمنحه الأوراق المطبوعة من يقين.
—
رؤية الجسر والمورد: أربعة أوجه لتمويل الجغرافيا
١. الطباعة كأداة سيادة مضادة
من يطبع النقود لغيره، يحتفظ بحقّ التوقيع على نبضه الاقتصادي.
٢. التحويلات كخيوط ناعمة للنفوذ
أنظمة الدفع قنوات تأثير سياسي تعمل بصمت، لا مجرد أنظمة مالية.
٣. العملات الموازية كسلاح رمزي
انتشار عملة الجنوب في أسواق الغرب السوداني ليس تبادلًا تجاريًا، بل إزاحة رمزية لسلطة الدولة.
٤. الشرعية السوقية مقابل الشرعية الوطنية
السيولة التي تأتي في لحظة ضيق تمنح صاحبها نفوذًا، لكنها تهدد بتحويل الوطن إلى ممر سيولة بدل أن يكون مركز قرار.
—
جوبا… حين تعود الجغرافيا إلى ذاتها
أدرك جنوب السودان أن العزلة مكلفة:
فالنفط بلا موانئ لا يصنع اقتصادًا،
والذهب بلا مؤسسات لا يصنع دولة،
والعملة بلا استقرار تتحول عبئًا على حاملها.
من هنا بدت خطوات جوبا الأخيرة كأنها عودة واعية إلى الجغرافيا:
لا عودة عاطفية، ولا سياسية،
بل عودة تُحصّن المستقبل في لحظة لا تحتمل التردد.
هل تدرك أبوظبي أنها مجرد “محلّل”؟
ربما… وربما لا.
لكن ما هو مؤكد أن النفوذ الذي لا تحميه الجغرافيا لا يدوم،
وأن القوى التي تراهن على النقد وحده تخسر عند أول اختبار لإرادة دولة تحاول استعادة مركزها.
فالسودان -مهما اشتدت جراحه- يحتفظ بصلابة موقعه:
إنه ليس دولة تُدار من الخارج، بل جغرافيا قادرة على إعادة تشكيل الإقليم كلما تغيّر مزاجها أو نهض وعيها.
إلى أين تتجه الخرطوم وجوبا؟
من التعايش الحدودي… إلى التكامل الوظيفي… وصولًا إلى كونفدرالية ممكنة.
إن التحولات الجارية في جوبا لا تُقرأ كاضطرابات داخلية،
بل كاستعادة لعقيدة الجغرافيا التي لا تستقيم دون الخرطوم.
ويمكن استشراف المستقبل عبر ثلاثة مسارات منسجمة مع رؤية الجسر والمورد:
١. التعايش الحدودي المنضبط — المرحلة العاجلة
تنسيق أمني، تنظيم التجارة، حماية المجتمعات الرعوية.
٢. التكامل الوظيفي — المرحلة الممكنة
ربط الطاقة، ممر تجاري موحد، سوق حدودية منظمة، وتنسيق في إدارة الثروات العابرة للحدود.
٣. كونفدرالية وظيفية — احتمال بعيد لكنه منطقي
إطار تنسيق إستراتيجي لا يلغي السيادة،يوفر للجنوب منفذًا بحريًا آمنًا ويمنح السودان استقرارًا كاملاً لعمقه الجنوبي.
> ليست عودة إلى ما قبل 2011، بل انتقال إلى صيغة جديدة تُعيد تعريف السيادة عبر المصالح المشتركة.
السودان… بين السيولة والسيادة
المعركة المقبلة ليست عسكرية فقط، بل معركة على توقيع العملة.
ومن يملك شرعية الإصدار، يملك حق رسم الخريطة الاقتصادية المقبلة.
لذلك يجب أن يتحول “الأمن الاقتصادي” في السودان إلى ذراع دفاع وطني،
وأن يُفهم جيدًا أن العملات الموازية أخطر من البنادق؛ فهي تشتري الصمت… لا الولاء.
#أصل_القضية | حين تتحول النقود إلى نبض الأمة
العملة مرآة السيادة.
وطباعة النقود خارج حدود الدولة ليست خطرًا ماليًا فحسب، بل خطر سياسي يطعن القلب قبل الجيب.
أبوظبي قد تطبع النقد،
لكنها لا تستطيع طباعة الجغرافيا.
وجوبا قد تميل مع الريح،
لكنها تعلم -اليوم أكثر من أي وقت مضى-
أنّ ظلّ النيل أطول من كل ظلال الإقليم.
> وفي النهاية، سيكتشف الجميع أن السودان -برغم الجراح- هو الذي يملك توقيع الصك الأخير على الجغرافيا.
