لم تكن مباراة الأمس مجرد مباراة كرة قدم عابرة، بل كانت ملحمة تُروى ولوحة فنية رُسمت بألوان الشغف والدموع الصادقة على أرض أستاد (الغرافة) في دوحة الخير.
بالأمس لم ينتصر منتخب السودان على شقيقه اللبناني وحسب، بل انتصرت إرادة الحياة والفرح المغتصب على كل مرارات الحزن المتراكم.
في جنبات أستاد الغرافة هناك كان النبض سودانيًاََ،فمنذ اللحظة الأولى أدركنا أن هذا الجمهور ليس كأي جمهور.
توافد أبناء وبنات السودان من كل حدب وصوب حتى ملأوا جنبات الملعب عن بكرة أبيها و تجمع أكثر من نصف هذا العدد خارج الأستاد حيث لم يتمكن من الدخول.
كل هؤلاء جاؤوا لا ليتابعوا مباراة فحسب _ بل جاؤوا ليقيموا عرساََ وطنياََ صغيراََ على أرض قطر .
كان هتافهم صافياََ كالمطر نابعاََ من أعمق نقطة في القلب، لم يكن مجرد تشجيع، بل كان عهداََ بالمحبة والولاء لتراب السودان المحبوب.
تقدم المنتخب اللبناني الشقيق بالهدف الأول وكان طوال زمن المباراة خصماََ عنيداََ استحق كل الاحترام، خيّم الصمت للحظات قليلة، لكنه لم يكن صمت هزيمة، بل كان نفساََ عميقاََ التقطه الجمهور ليُطلق بعده شرارة الإصرار.
فعلت الصيحات والهتافات المعهودة و “دبل ليو” وعدد من الهتافات التي تشبه هتافات القادة و الجنود في الميدان في مشهد قال بكامل التضامن مع الأوفياء الشجعان الذين قدموا ويقدمون ليعود السودان حر و آمن ويتحقق كامل النصر.
كانت الهتافات تخرج مصحوبة بـ زغاريد النساء المجلجلة التي شقت عنان السماء، وبرع الشباب في استخدام تقنيات التشجيع المبتكرة في الأمواج البشرية والإضاءة بالموبايل والطبول والأهازيج.
كل أطياف المجتمع السوداني في الدوحة كانت هناك كبار، صغار، طلاب المدرسة السودانية، رموز الإعلام من السودانيين وزملاءهم، ربات البيوت وغيرهم كل هؤلاء قالوا بأننا جميعنا واحد وقلبنا واحد ونحن مع انتصار السودان في ملمح وطني جميل.
كل ذلك وصقور الجديان يصارعون ويرفضون الاستسلام، مدفوعين بسند الجمهور القوي إلى أن جاء الهدف الترجيحي والذي جاء قبل أقل من عشرين دقيقة من صافرة النهاية، حينها تحول الملعب إلى بركان من المشاعر الصاخبة. لم تكن فرحة عادية، بل كانت لحظة تطهير غسلت مرارة الأيام والأحزان التي تراكمت بفعل الحرب.
فبكى الرجال قبل النساء، و أهدى هذا الجمهور العظيم قبل اللاعبين هذا الفوز لكل الشعب السوداني ليؤكد أن السودان قادر على الفرح بالرغم من كل شيء.
الاحتفالات لم تتوقف عند حدود الملعب فانطلقت الجموع في شوارع الدوحة في مشهد بهيج عكس وحدة الوجدان، والمشهد الأجمل كان تفاعل أهل قطر الكرام وتهانيهم الصادقة التي غمرت القلوب بالامتنان ، مؤكدين مجددًا على محبة أهل قطر لأهل السودان وامتداد لمكرمات دوحة الخير التي لم تتوانَ عن الوقوف مع السودان في محنته بكل أنواع الدعم والمؤازرة.
هذه المباراة كانت الرسالة الأبلغ واللوحة المتكاملة التي رسمت محبة الوطن وانتصار أبنائه على الظروف الصعبة وتأكيدهم على وقفتهم القوية خلف قواتهم المسلحة ووحدة وسلامة الأرض.
فتأهل المنتخب يمثل إضافة حية للبطولة بما أبرزته الجالية السودانية من تفاعل كبير وحضور اكبر سيكون فاكهة هذه البطولة بإذن الله .
التمنيات لصقور الجديان بالنصر في المباريات القادمة و اعتلاء منصات التتويج ولبلادنا بجميل الأمنيات مجدداََ.

