مقدمة: مشهدٌ سياسي وعسكري تتداخل خيوطه
تدخل الحرب السودانية مرحلة جديدة تتسارع فيها الأحداث بين التصريحات السياسية والمواجهات الميدانية، بينما تستمر الجهود الدولية دون أن تحقق اختراقاً حقيقياً في مسار إنهاء الصراع. وفي خضم هذا التعقيد، جاءت تصريحات رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لتفرض واقعاً جديداً حول شروط التفاوض وآفاق الحل.
البرهان: لا مفاوضات قبل ترك السلاح
في مقابلة مع قناة الحدث، وجّه البرهان رسائل حاسمة أكدت أنّ الحسم العسكري هو المدخل الأساسي لأي عملية سياسية لاحقة، مشيراً إلى:
- لن نجلس مع الدعم السريع إلا إذا ترك سلاحه بالكامل.
- انسحاب المتمردين وتسليم سلاحهم شرط لأي هدنة أو وقف لإطلاق النار.
- الحل في السودان يبدأ عسكرياً، وما عداه يأتي لاحقاً.
- المليشيات لا يمكن أن تعود، ولا يمكن للحياة أن تعود لطبيعتها في وجودها.
هذه الرسائل تُغلق الباب أمام أي مفاوضات قريبة، وتعكس قناعة الجيش بأن ميزان القوى ما زال يسمح بمواصلة العمل العسكري.
نفي علاقة الجيش بالإسلاميين وتوازن الرسائل الدولية
أكد البرهان عدم وجود أي علاقة بين الجيش أو الحكومة وتنظيم الإخوان المسلمين، في رسالة موجهة للمجتمع الدولي الذي يستخدم هذه الورقة للضغط السياسي. وفي المقابل، شكر ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي وأعلن استعداد الحكومة للتعاطي مع مبادرتهما.
هذا التوازن بين الصلابة العسكرية و الانفتاح الدبلوماسي يكشف قراءةً دقيقة لتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية.
تصريحات مالك عقار: إحراج للدبلوماسية البريطانية
خرج نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار بتصريحات حادة انتقد فيها السفير البريطاني، مشيراً إلى أن لندن تمارس “معايير مزدوجة” في تعاملها مع الأزمة السودانية.
وتبرز أهمية تصريحاته في أنها:
- تعكس توتراً حقيقياً بين الخرطوم وبعض العواصم الغربية.
- تكشف تضارب الرؤى الدولية حول الحرب.
- تُظهر شعوراً داخل الحكومة بأن أطرافاً غربية تميل إلى رواية الدعم السريع.
دارفور.. تدفّق مرتزقة أجانب يرفع مستوى الخطر
تشير التقارير الأخيرة إلى تدفق كبير لمرتزقة أجانب يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع في دارفور، وهو تطور بالغ الخطورة لأنه:
- يحوّل الحرب من صراع داخلي إلى نزاع إقليمي متعدد الأطراف.
- يزيد مخاطر التقسيم وتهديد الأمن القومي لدول الجوار.
- يعقّد أي مسار سياسي بسبب إطالة أمد الحرب بوجود مقاتلين غير سودانيين.
هذه المعطيات تفسر تمسك الجيش بشرط تفكيك المليشيا وتسليم السلاح بالكامل.
تركيا على خط الأزمة: حسابات نفوذ وتوازنات إقليمية
دخول الرئاسة التركية على خط الأزمة يعكس:
- سعي أنقرة إلى تعزيز دورها كوسيط في منطقة تتقاطع فيها مصالح دول الخليج ومصر و روسيا.
- رغبتها في توسيع حضورها في إفريقيا.
- محاولة الأطراف السودانية فتح قنوات دبلوماسية متعددة بدلاً من الاعتماد على محور واحد.
إلا أن الدور التركي يظل حساساً نظراً لتشابك المصالح الإقليمية.
تدخل ترامب في ملف الحرب: أبعاد ودلالات
كشف أحد مستشاري الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تدخل شخصياً في ملف الحرب السودانية، وهو ما يشير إلى:
- دخول الأزمة السودانية ضمن الحسابات السياسية الأميركية.
- قلق واشنطن من تداعيات الحرب على تشاد والقرن الأفريقي.
- رغبة الولايات المتحدة في منع تمدد نفوذ قوى أخرى في الملف السوداني.
ويبقى السؤال: هل تقبل الأطراف السودانية برعاية أميركية مباشرة؟
هدنة الدعم السريع والهجوم على بابنوسة: تناقض واضح
أعلنت قوات الدعم السريع هدنة مؤقتة، لكنها تزامنت مع هجوم على مدينة بابنوسة، ما يكشف تناقضاً بين الخطاب السياسي والتحركات العسكرية:
- تستخدم الدعم السريع الهدن لتحسين صورتها خارجياً.
- الهجوم يؤكد أن المليشيا تسعى لتغيير الواقع الميداني.
- استمرار العمليات في غرب كردفان يبرهن على غياب نية حقيقية للتهدئة.
هذا التطور يعزز موقف الجيش الذي يشترط التسليم الكامل للسلاح قبل أي مسار سياسي.
خاتمة: مستقبل السودان بين البنادق والمصالح الدولية
يُظهر المشهد السوداني الحالي أن:
- الجيش ما زال يرى الحل العسكري خياراً أساسياً.
- الدعم السريع يسعى لتعزيز مواقعه قبل أي تفاوض.
- التدخلات الدولية تتزايد كلما طال أمد الحرب.
- دارفور أصبحت الحلقة الأخطر بسبب المقاتلين الأجانب.
وبين تصلّب المواقف وتعقّد الحسابات الدولية واشتداد الكارثة الإنسانية، يقف السودان أمام مرحلة حاسمة سترسم ملامح الدولة لسنوات طويلة قادمة.
البريد الإلكتروني: bshir057@gmail.com
