«أخطر أنواع الكذب هو أن يكذب الإنسان على نفسه»
ليست الكذبة التي تُقال للآخرين هي ما يُهلك الأمم،
بل تلك التي نُهمس بها لأنفسنا،
ونُعيد ترديدها حتى تصبح طبعًا…
ثم ندّعي بعد ذلك أنها واقع.
هنا، تحديدًا، يبدأ الاستلاب الداخلي للوعي.
من الطبع إلى التطبع… ومن الحقيقة إلى التبرير
يفرّق علم النفس بين الطبع بوصفه ما نشأنا عليه،
والتطبع بوصفه ما اعتدناه حتى حسبناه طبيعة ثانية.
وفي هذه المسافة الرمادية، يولد الخداع الذاتي: آلية دفاعية لا يعمل فيها العقل بحثًا عن الحقيقة،بل عن راحة الأنا.
نحن لا نكذب لأننا أشرار،
بل لأن الاعتراف بالحقيقة مكلف.
مكلف نفسيًا، اجتماعيًا وأحيانًا وطنيًا.
وهنا تكمن الخطورة:
أن يتحول الكذب على النفس إلى نظام تشغيل للعقل الجمعي.
علي شريعتي: المثقف ليس شاهدًا… بل مسؤولًا
في كتابه «مسؤولية المثقف»، لا يتعامل علي شريعتي مع المثقف بوصفه ناقل معرفة،
بل كفاعل أخلاقي،
ككاسر للمرآة الزائفة التي يحدّق فيها المجتمع ليُعجب بنفسه.
شريعتي يحذّر من أخطر أشكال الهيمنة:
أن يُقنِعك المستبد بأن ما تعيشه هو قدرك الطبيعي.
وهذا، حرفيًا، تعريف الاستلاب الداخلي للوعي:
حين يُعاد هندسة الإدراك،
لا عبر القمع،
بل عبر التطبيع مع الخطأ،
وتحويل الاستثناء إلى قاعدة،
والخلل إلى “حكمة واقعية”.
السودان: حين يصبح التبرير ثقافة
في السياق السوداني،
لم يُهزم الوعي فقط بالسلاح أو المؤامرة،
بل بسلسلة طويلة من الأكاذيب المريحة:
“ما في زول أحسن من زول” لتبرير قتل الكفاءة
“الظروف ما بتسمح” لتعليق الفشل
“كلهم زي بعض” لتبرئة الذات
“الزمن كدا” لإلغاء المسؤولية
هذه ليست عبارات عابرة،
بل مفردات هندسة وعي،
تُعيد إنتاج العجز،
وتُحوّل المواطن من فاعل إلى متفرّج،
ومن صاحب حق إلى شارح أعذار.
أخطر ما في الخداع الذاتي…
أنه يمنحك شعورًا زائفًا بالاتساق.
تشعر أنك منسجم،
لكن ليس لأنك على حق،
بل لأنك توقفت عن السؤال.
وهنا يلتقي دوستويفسكي مع شريعتي: الكذب على النفس لا يدمّر الحقيقة فقط،
بل يُعطّل إمكانية التحوّل.
فلا إصلاح بلا اعتراف،
ولا نهضة بلا مواجهة،
ولا وطن يُبنى بعقل يرفض أن يرى.
الجسر والمورد: كسر الحلقة
ضمن رؤية الجسر والمورد،
نحن لا ندعو إلى جلد الذات،
ولا إلى خطاب سوداوي،
بل إلى تحرير الوعي من خداعه الداخلي.
أن نعيد تسمية الأشياء بأسمائها:
الفشل فشل
التقصير تقصير
التواطؤ تواطؤ
والصمت… موقف
التحرر لا يبدأ من إسقاط الخارج،
بل من تفكيك الداخل:
تفكيك اللغة،
تفكيك المسلّمات،
تفكيك تلك “الطبيعة” التي ليست سوى تطبّع طويل مع الخطأ.
#أصل_القضية: مرآة بلا مساحيق
(أسأل نفسك السؤال دا: اليوم، شنو التبرير القلتو لنفسك عشان تحس إنك بتستاهل حاجة ما حقتك؟)
(جاوب على السؤال بصراحة عشان نفسك وعشان السودان …واتذكر أنه ظلمك لنفسك حيخليك حبيس في استلابك وكدا الحرب ما حتقيف لأنه أخطر معارك السودان داخل الوعي للفرد أخطر معارك السودان معركة الوعي ياريت نستوعب
لأنه من هنا يبدأ طريق العودة لسودانيتنا).

