يفترض في القانون الدولي أن يشكّل إطارا معياريا ناظما للعلاقات بين الدول قائما على مبادئ السيادة والمساواة القانونية وعدم التدخل وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية غير أن الممارسة الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ولا سيما في ظل الهيمنة الأمريكية كشفت عن فجوة متزايدة بين القواعد المقرّرة والنصوص الملزمة من جهة، وآليات التطبيق والالتزام الفعلي من جهة أخرى، وتعد الحالة الفنزويلية نموذجًا كاشفًا لانتقائية إنفاذ القانون الدولي وتسييس مفاهيم الشرعية في التعاطي الأمريكي مع فنزويلا جرى توظيف مفاهيم قانونية ذات حمولة معيارية عالية مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان والشرعية الدستورية بصورة انتقائية لتبرير إجراءات أحادية الجانب، أبرزها فرض عقوبات اقتصادية ومالية خارج إطار مجلس الأمن الدولي والاعتراف بسلطات موازية لحكومة قائمة تمارس السيطرة الفعلية على الإقليم هذه الإجراءات من منظور قانوني صارم تثير إشكالات جوهرية تتعلق بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وبحظر استخدام التدابير القسرية الانفرادية التي لم يجزها ميثاق الأمم المتحدة.
إن العقوبات الأحادية المفروضة على فنزويلا تمثل خروجا واضحا عن النظام الجماعي للأمن الدولي الذي أناط بمجلس الأمن وحده سلطة تقرير الجزاءات ذات الطابع الإلزامي كما أن الاعتراف بكيانات سياسية لا تستند إلى فعالية السلطة أو إلى مسار دستوري داخلي يتعارض مع قواعد مستقرة في القانون الدولي العام ويحول الاعتراف من عمل قانوني محكوم بمعايير موضوعية إلى أداة ضغط سياسي.
تكشف هذه الممارسات عن نمط مزدوج في تطبيق القواعد الدولية إذ يعاد تفسير النصوص حين تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية للقوة المهيمنة بينما يتم التمسك بحرفية القانون عندما يستخدم ضد خصومها وبهذا المعنى لا يعود القانون الدولي قيدا على القوة بل يتحول إلى وسيلة من وسائل إدارتها تفعّل أو تعطل وفق اعتبارات سياسية لا قانونية.
إن خطورة هذا النهج لا تكمن في الحالة الفنزويلية وحدها بل في ما يترتب عليه من تقويض لمبدأ العمومية في القواعد القانونية الدولية وإضعاف الثقة في النظام الدولي القائم على الشرعية فانتقائية التطبيق تفتح المجال أمام تآكل فكرة الإلزام القانوني وتشجع قوى أخرى على تبني السلوك ذاته بما ينذر بتحول النظام الدولي من نظام محكوم بالقواعد إلى فضاء تحكمه موازين القوة وعليه فإن إعادة الاعتبار للقانون الدولي تقتضي الفصل الصارم بين الشرعية القانونية والمصالح السياسية والالتزام بتطبيق القواعد على نحو متساو وغير انتقائي فالقانون إن لم يكن عاما وملزما للجميع يفقد جوهره بوصفه أداة لتنظيم العلاقات الدولية ويتحول إلى خطاب تبريري يكرّس الهيمنة بدل أن يحد منها.
وعلى ضوء ما تقدم يكون العالم قد دخل عصر (البلطجة) وتجميد القوانين الدولية لصالح الدول العظمى.

