سقطت الخرطوم أولًا في الوعي… ثم تم إفراغها في الواقع؟
ما جرى في الخرطوم ١٥ أبريل ٢٠٢٣م
لم يكن هجومًا عسكريًا مفاجئًا فقط، بل كان ذروة عملية طويلة لتفريغ الوعي
سبقت تفريغ الشوارع،
وسبقت نهب البيوت،
وسبقت نزوح المواطنين.
فالمدينة التي تُفرَّغ ذهنيًا…تُفرَّغ ماديًا بلا مقاومة.
أولًا: الإعلام البديل… حين سبق الرصاصة بخطاب
قبل ١٥ أبريل٢٠٢٣م،
كان الإعلام البديل – منصات، صفحات، غرف بث مؤثرين يعمل على ثلاث وظائف متزامنة:
١) تطبيع وجود قوات الدعم السريع
ليس عبر تمجيد مباشر دائم، بل عبر:
●تصويرها كـ«أمر واقع»،
●أو قوة توازن،
●أو جزء من المشهد المدني.
■فصار وجود السلاح الثقيل داخل المدن:
مسألة سياسية قابلة للنقاش…لا خطرًا وجوديًا يجب رفضه.
٢) شيطنة أي تحذير مبكر
كل صوت قال:
> «هذه القوة خطر على الدولة»
وُسم بـ:
●الفلول،
●أو دعاة الحرب،
●أو أعداء المدنية.
■وبذلك:
> جُرّد المجتمع من آلية الإنذار المبكر.
٣) إعادة تعريف العدو
لم يعد التمرد هو الخطر، بل ما الذي تعنيه هذه المفاهيم لدى العامة:
●الحكم ،
● الدولة والمؤسسات ،
●الجيش ،
●الشرطة،
●وأي خطاب سيادي.
■وهنا حدث التحول الأخطر:
المواطن لم يُهيَّأ للدفاع عن مدينته، بل لكره دولته داخل مدينته.
ثانيًا: ١٥ أبريل… الخرطوم كانت قد أُفرغت سلفًا
حين اندلعت المعارك:
●لم يُفاجأ الوعي،
●لم يُصدم المجتمع،
●بل كان مرتبكًا، مترددًا مشلول القرار.
■لأن الرسائل السابقة كانت واضحة:
●«هذه ليست حربك»
●«ابقَ محايدًا»
●«الطرفان سواء»
●«لا تدافع عن الدولة»
وهكذا غادر المواطن…لا لأنه جبان،بل لأنه مُفرغ الوعي من معنى الدولة.
ثالثًا: قصور الإعلام الرسمي والمحلي… الغياب القاتل
في اللحظة التي كان يجب أن:
●يُشرح ما يجري،
●يُسمّى التمرد باسمه،
●تُحدد خطوط الخطر،
كان الإعلام الرسمي والمحلي:
●بطيئًا،
●مرتبكًا،
●لغته قديمة – باهتة عمومية،
●خطابه إنشائي،
●وصمته أطول من حضوره.
■فترك الساحة لـ:
●إعلام بديل سريع،
●حاد،
●عاطفي،
●وموجّه.
وفي معركة الوعي،الصمت ليس حيادًا… بل هزيمة.
رابعًا: الدولة… حين غابت كمنظومة اتصال
المشكلة لم تكن في الإعلام فقط،
بل في غياب الدولة كمنظومة تواصل.
●لا رسائل طمأنة،
●لا توجيه مدني،
●لا خطاب واضح للمواطن:
> ماذا تفعل؟
> أين تقف؟
> من يحميك؟
فاضطر المواطن أن:
●يتلقى روايته من الهاتف،
●ويأخذ موقفه من الترند،
●ويحدد عدوه من المؤثر.
■وهنا:
انتقلت قيادة الوعي من الدولة…إلى المنصة.
خامسًا: المواطن المستلب… من ضحية إلى عامل تمدد
وهنا النقطة الأكثر حساسية، والأقل قولًا لكن لا يمكن تجاوزها:
المواطن – دون وعي – ساهم في تمدد التمرد.
■كيف؟
١) بالحياد في لحظة لا تحتمل الحياد
الحياد في معركة وجود الدولة: ليس موقفًا أخلاقيًا… بل فراغ يُملأ بالقوة.
٢) بترديد السردية دون تفكيك
●«الطرفان سواء»
●«هذه ليست حربنا»
●«الجيش والدعم السريع واحد»
● ما يجري هو مسرحية (عاملنها الكيزان.)
هذه العبارات:
لم تكن آراء… بل أدوات شلّ جماعي.
٣) بالانسحاب الكامل من المجال العام
■حين تُفرغ الأحياء:
●تُفرغ المعلومة،
●تُفرغ الرقابة،
●ويُفتح المجال للنهب والتمدد بلا كلفة.
■المدينة الخالية:
ليست محايدة… بل مُستباحة.
سادسًا: كيف فرضت قوات الدعم السريع سرديتها؟
لأنها:
●كانت جاهزة بخطاب،
●امتلكت أذرعًا إعلامية وسياسية،
●خاطبت المواطن بلغة المظلومية لا الدولة،
●وملأت فراغ الدولة بخطابها.
■والسردية التي رُوّجت: > «نحن نحميك من دولة فشلت»
وهي أخطر كذبة: لأنها تستخدم فشل الدولة…لتبرير هدمها.
#أصل القضية
أن الخرطوم لم تُحتل فجأة،
بل أُفرغت وعيًا…ثم تُركت بلا معنى للدولة.
الإعلام البديل هيّأ، والإعلام الرسمي غاب، والدولة صمتت، والمواطن تردد، فدخل التمرد من الفراغ.
المدن لا تسقط حين تُقصف،بل حين يتوقف أهلها عن فهم لماذا يجب أن تُحمى.
وهنا يبدأ التفكيك الحقيقي للاستلاب: ليس بلوم المواطن،
بل باستعادة وعيه،
وتحميل الدولة مسؤولية الخطاب،
وإعادة الإعلام إلى موقعه كأداة وعي لا سلاح فوضى.
وما ظاهرة تقسيم إعلاميي بورتسودان وإعلاميي الخرطوم منا ببعيد
وظاهرة ماذا قال لي <<البرهان>> عندما التقيته ؟!
فالبدار البدار ..
فليست هذه الظواهر انحرافًا عن مسار التفريغ، بل امتداده الطبيعي؛ تفريغٌ تغيّرت أدواته من الصمت إلى التشويش ومن الغياب إلى إغراق المعنى بالحكايات الفردية.
نواصل… فما حدث لم ينتهِ… بل تعلّم كيف يتخفّى.

