في العشرين من يناير 2026، ومن على منصة دافوس التي كانت يوماً معبداً للعولمة، لم تخرج الكلمات كالمعتاد بعبارات الدبلوماسية الناعمة، بل خرجت كطلقات رصاص أطلقها رئيس الوزراء الكندي “مارك كارني”. أعلنها صراحة: “لقد أزلنا اللافتة من النافذة.. النظام القديم لن يعود، ولا ينبغي أن نرثيه”.
هذا التصريح ليس مجرد تغيير في السياسة الكندية، بل هو اعتراف بـ “القطيعة” (Rupture) وليس مجرد “الانتقال”. إنه إقرار بأن الغرب عاش عقوداً داخل “كذبة” المنفعة المتبادلة، بينما كان النظام الدولي يُستخدم كسلاح للإخضاع.
دافوس 2026: Obituary (نعي) العولمة
بينما كان “هوارد لوتنيك” يفكك عقيدة المنتدى الاقتصادي العالمي أمام أقطابه، واصفاً العولمة بأنها “أفرغت الغرب وحطمت الابتكار”، كان دونالد ترامب في واشنطن يوجه ضربات قاضية لما تبقى من تحالفات قديمة، واضعاً “جرينلاند” والتعريفات الجمركية كأدوات في عالم لا يعترف إلا بالقوة الصلبة.

لقد سقطت “الخدعة الخضراء” التي سخر منها ترامب ووزير تجارته، حين واجها الأوروبيين بسؤال وجودي: “كيف تطالبون بالطاقة البديلة وأنتم لا تملكون تكنولوجيا البطاريات؟”. إنها نهاية عصر “المثالية الزائفة” وبداية عصر “الواقعية القائمة على السيادة”.
المفارقة الكبرى: القيم المنهوبة والبديل الغائب
في ظل هذا الانهيار الكوني للنظام الغربي، تبرز مفارقة مذهلة أشار إليها أكاديميون ومراقبون:
لقد نجح الغرب (وتحديداً لندن كمركز مالي وقانوني) في اقتباس “بنية تحتية” مذهلة من الفكر الإسلامي؛ فنظام الحوكمة، والتمويل القائم على الأصول (Asset-backed)، واستقلال القضاء، كلها قيم تتماشى بنسبة تزيد عن 70% مع الشريعة الإسلامية. لكن الغرب فعل ذلك بعد أن “فصلها عن الوحي”، محولاً إياها إلى “آليات تقنية” لضمان استقرار نظامه.
وفي المقابل، يقف العالم الإسلامي أمام أزمة “تجسيد”:
1. شعار بلا برنامج: حركات الإسلام السياسي رفعت شعار “الإسلام هو الحل”، لكنها تعثرت في تحويله إلى نظام إداري وتكنوقراطي ينافس النموذج الغربي، باستثناء تجارب محدودة حاولت المناورة مثل تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا.
2. شراسة “الإفشال”: تعرضت أي محاولة لتقديم بديل إسلامي حقيقي لهجمة صهيونية ودولية شرسة، تدرك أن عودة “السيادة الإسلامية” المبنية على الاكتفاء الذاتي والعدل القائم على الوحي، تعني نهاية الهيمنة الغربية للأبد.
القوى المتوسطة والبحث عن “المسار الثالث”
خطاب مارك كارني عن “الواقعية القائمة على القيم” ودعوته للقوى المتوسطة ألا تكون “على القائمة” بل “على الطاولة”، يفتح باباً موارباً للدول الإسلامية. فإذا كان الغرب نفسه يعترف بأن “القانون الدولي كان يُطبق بانتقائية تبعاً لهوية الضحية”، فإن الحاجة إلى مرجعية أخلاقية متعالية (الوحي) تصبح ضرورة وليست مجرد ترف ديني.
الخاتمة: هل نحن جاهزون؟
إن العالم اليوم يعيش في “فراغ قيمي” مخيف. العولمة ماتت، والقوميات المتوحشة تعود، والهيمنة الأمريكية تتحول إلى “صفقات” جافة.
البديل الإسلامي يملك “المرجعية” ويملك “التاريخ”، لكنه يفتقد إلى “الخبراء” الذين يزيلون “اللافتات الزائفة” ويقدمون “الحقيقة” في شكل مؤسسات، واقتصاد صلب، وسيادة حقيقية.
لقد حان الوقت للمسلمين أن يتوقفوا عن “المسايرة من أجل السلامة” كما قال كارني، ويبدأوا في بناء قوتهم من الداخل، ليس بالشعارات، بل بالعلم، والتقنية والعدل الذي هو جوهر الرسالة .

