Popular Now

تقرير استراتيجي: رسالة بورتسودان .. ملامح ” الحسم والغطاء “.. !! بقلم/ د. محمد الخاتم تميم

منشورات د. أحمد المفتي .. لا يعالج اي مرض ( ازمة ) ، الا بعد فحوصات ، لمعرفة اسباب المرض ، ومن ثم البدء بمعالجة الاسباب

سلسلة صفقات ترامب – (الحلقة السابعة عشرة) .. القرن الإفريقي والبحر الأحمر: عقدة الجغرافيا وصراع المصالح الدولية .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

الإصلاح الاقتصادي أم زيادة المرتبات؟.. معادلة السودان الصعبة .. بقلم مستشار_ أحمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

في ظل معاناة اقتصادية طالت كل بيت سوداني حيث يلتهم التضخم قيمة الدخل ويترنح الجنيه بين الحين والآخر، تطفو على السطح مجددا قضية زيادة المرتبات كحل لمواجهة الغلاء، بالأمس قرأت في بعض الصحف الإلكترونية تصريحات وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم الأخيرة أعادت النقاش الجوهري و الذي يتمثل في (هل تعالج الأزمة بمسكنات مالية عاجلة أم بجراحة إصلاحية شاملة؟)

واقع مرير وأرقام صادمة
لا يمكن فهم عمق المعضلة دون قراءة المشهد بأرقامه القاسية:
1. تضخم تجاوز حاجز الـ 300% في ذروته ولا يزال ينخفض ببطء شديد.
2. انكماش اقتصادي حاد حيث خسر الاقتصاد قرابة خمس قيمته في ثلاث سنوات.
3. إنتاجية متدنية في قطاع الزراعة رغم امتلاك السودان أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة لا يستغل منها سوى جزء ضئيل وهي أزمة قديمة.
4. احتياطي أجنبي هزيل لا يكفي لاستيراد أساسيات الحياة لأكثر من بضعة أسابيع.
في هذا المناخ يبدو حديث زيادة المرتبات كمن يرمي شعلة في بحر من النيران.

زيادة المرتبات: مسكن سريع بأثر عكسي؟
لا شك أن زيادة المرتبات ستحدث ارتياحا آنيا للموظفين الذين أنهكتهم أعباء المعيشة، فهي إشارة إلى تفهم الدولة لمعاناتهم. ولكن بالتحليل البسيط نقول: في اقتصادٍ يعاني ضعف الإنتاج ويفتقد السلع الأساسية في الأسواق فإن ضخ أموال إضافية دون زيادة المعروض من السلع والخدمات يؤدي حتما إلى مزيد من الارتفاعات في الأسعار بمعنى آخر قد تتحول الزيادة إلى حبر على ورق بعد أسابيع قليلة، عندما تلتهمها موجة أسعار جديدة وخاصة أن الموظفون يمثلون من 5 – 10٪ من جملة القوة العاملة في السودان.
هذا ليس تنظيرا إنه درس تعلمته دول كثيرة من تجاربها المريرة فالزيادة الاسمية في الدخل دون إصلاح هيكلي للمشكلة تشبه إعطاء مريض مهدئا بينما يحتاج إلى مضاد حيوي لعلاج العدوى.

الإصلاح الاقتصادي: طريق شائك لكنه ضروري
الإصلاح يعني خطوات صعبة قد تزيد الألم قبل أن تحدث الشفاء وهو يشمل عادة:
1. إصلاح نظام الدعم الذي يستنزف المليارات دون وصولها بالكفاءة للفئات المستحقة.
2. تشجيع القطاع المنتج (زراعة، صناعة، تعدين) لجلب العملة الصعبة وتوفير فرص عمل حقيقية.
3. تعزيز الثقة في النظام المالي لجذب الاستثمارات السودانية المهاجرة والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.
4. مكافحة الفساد الهيكلي الذي يثقل كاهل الاقتصاد.
هذه الإصلاحات تثير مخاوف اجتماعية مشروعة فهي قد تعني رفع أسعار بعض السلع المدعومة أن وجدت !!! ، أو تغييرات في سياسات التوظيف، والسؤال المطروح هنا (هل يستطيع المجتمع تحمل تكاليفها القصيرة المدى؟

أين يكمن الحل؟
يذكر خبراء و علماء الاقتصاد في هذا الشأن أنه لا يجب أن يكون الخيار بين زيادة المرتبات أو الإصلاح بل يمكن ويجب السير في مسارين متوازيين:
أولًا: حماية اجتماعية ذكية: زيادة مرتبات تستهدف الفئات الأكثر ضعفا و عجزا مع ضمان وصول الدعم بشكل مباشر لهم عبر برامج مساعدة نقدية مشروطة بدلا من الدعم العشوائي الذي يستفيد منه الغني والفقير.
ثانيها: إطلاق طاقة الإنتاج: استثمار عاجل في القطاع الزراعي عبر توفير التقاوي المحسنة والوقود للمزارعين ،مع إعادة تأهيل المصانع المتوقفة التي يمكن أن تنتج سلعا أساسية وتذليل العقبات أمام المستثمرين في قطاع التعدين (الذهب) لزيادة الإيرادات الأجنبية.
ثالثًا: مصالحة وطنية اقتصادية: بناء توافق مجتمعي حول خطة إصلاح واضحة ومحددة الزمن مع شرح صادق للتحديات والآمال بمشاركة واسعة من النقابات والأحزاب والمجتمع المدني في رحلة الإصلاح لتقليل المقاومة وبناء ملكية وطنية للحلول.

السودان أغنى من أن يظلّ فقيراً
لدى السودان ما لا تملكه كثير من الدول أراضي خصبة شاسعة وثروة معدنية هائلة وشباب طموح يشكل أكثر من نصف السكان، وموقع استراتيجي هذه المقومات هي الوقود الحقيقي لأي نهضة.
و أخيرًا يمكننا القول بأن زيادة المرتبات قد تكون ضرورة إنسانية لا مفر منها في المدى القريب لكن الاعتماد عليها كاستراتيجية وحيدة هو كمن يحاول تفريغ سفينة تغرق بمغرفة صغيرة ،فيجب أن تتوافق أي خطوة لتحسين الدخل مع خطة وطنية عاجلة لضخ الدماء في عروق الاقتصاد المنتج.
فالمواطن يحتاج إلى رغيف خبز اليوم وإلى ضمان أنه سيوجد رغيف غداً لتحقيق المعادلة يحتاج إلى شجاعة في الإصلاح وإلى حكمة في التوقيت وإلى قلب رحوم في التنفيذ.

(معادلة صعبة في توقيت أصعب)

المقالة السابقة

باكستان و نبوءة نهاية الدعم السريع الجزء الأول ( ١-٢) .. بقلم/ اللواء الركن متقاعد عثمان إسماعيل سراج إدريس

المقالة التالية

قرب تعافي التعليم العالي وتحقيق الانتصار في حرب الكرامة ..(1 من 3) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *