Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. البناء القاعدي في جنوب أفريقيا ، د. ناهد محمد الحسن

صفقات ترامب (16) إيران وأمريكا في الخليج: من حافة المواجهة إلى هندسة المصالح .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي والإقليمي

الأصول العميقة للتآمر على السودان (2) .. إستراتيجية العداء مع مصر .. بقلم دكتور/ إسماعيل الناير عثمان .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية .. وعضو لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الأكاديميين والباحثين والخبراء السودانيين

الأصول العميقة للتآمر على السودان (2) .. إستراتيجية العداء مع مصر .. بقلم دكتور/ إسماعيل الناير عثمان .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية .. وعضو لجنة الشؤون الأمنية بتجمع الأكاديميين والباحثين والخبراء السودانيين

نسجت الإدارة البريطانية في السودان إبان فترة الاحتلال البريطاني إستراتيجية محكمة البيان، متماسكة الأركان جرى تنفيذها دون رحمة، شاركت في صياغتها حملة المخابرات الغربية المتآمرة على السودان حتى لحظة كتابة هذه السطور.

اشتملت هذه الإستراتيجية على جوانب عدة، ولكن أهمها هو تعميق روح العداء مع مصر والإصرار على فصل السودان عنها بتصميم آليات وطرق، مع توليف ظروف أخرى أفضت فيما بعد إلى إعاقة السودان نفسة من التطور والازدهار. وقادت هذه الإستراتيجية فيما بعد إلى انفصال جنوب السودان وإشعال الحروب في السودان حتى حرب الدعم السريع التي نشهد فصولها الآن.

حدثت الثورة المصرية في العام 1919م بسبب احتلال بريطانيا لمصر ، و وضع العراقيل بين مصر والسودان لتحقيق الوحدة، وانفراد بريطانيا بحكم السودان وإعلان بريطانيا الحماية على مصر وسيطرتها على الاقتصاد المصري. تضاعفت جهود الحركة الوطنية في مصر حينما طالب وفد الحركة الذي شارك في مؤتمر السلام في باريس في أبريل 1919 في مذكرة قدمها بضرورة إرجاع الوحدة بين السودان ومصر، وأن تكون قائمة على شراكة سياسية للسودان (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، تبلورت هذه المطالب في برنامج حزب الوفد وقد أشارت فقرة فيه (أن مصر والسودان لا يمكن فصلهما وأن السودان أهم لمصر من الإسكندرية).
إلا أن الإستراتيجية البريطانية نظرت للتطورات في الحركة السياسية المصرية على أنها أكبر مهدد ويجب مقاومته باتباع أدوات مرنة وفاعلة، وفى هذا فقد جاءت بفعلين سياسيين استخدمت فيها السودانيين أنفسهم.
الأول هو قيام الإنجليز بتحريض القيادات الدينية والقبلية ضد توجهات التقارب مع مصر وضرورة التمسك بالإخلاص للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ولبيان ذلك فقد أرسل الحاكم العام البريطاني برقية مؤرخه في 23/4/1919 والتي نشرت فيما بعد في صحيفة السوادن فحوى البرقية أن ستة من أكبر القيادات الدينية في السودان قد أعلنوا أنهم لا يتفقون مع الحركة الوطنية في مصر، وأنهم كممثلين للشعب السوداني يعبرون عن شكرهم وامتنانهم و ولاءهم الصادق للحكومة البريطانية وأنهم يوكدون أن لا صلة تربطهم بالحركة الوطنية المصرية. شكل هذا الإعلان من القيادات الدينية السودانية صدمة وألم كبير للحركة المصرية المناهضة للإستراتيجية البريطانية الماكرة تجاه البلدين مصر والسودان، من ناحيه أخرى فقد أمعنت الإدارة البريطانية في السودان في المضي قدمًا في تعميق الخلافات السياسية والنفسية بين شعبي وادي النيل، وذلك برعاية قيام تجمع الأعيان المكون القيادات الدينية وقيادات الإدارات الأهلية في السودان مع محاربة أي جسم سياسي أو مهني مرتبط بحركة الوعي الإستراتيجي المؤسس لضرورة اقتلاع الاحتلال البريطاني من السودان ومصر، وقد تطورت هذه الخطوات المحسوبة من جانب بريطانيا في خطوة مثلت تحول بنيوي عندما زار وفد تجمع الأعيان لندن في يوليو 1919م، وكان الهدف المعلن تقديم التهاني لملك بريطانيا بمناسبة الانتصار في الحرب العالمية الأولى، شمل الوفد كل من السيد علي الميرغني، والسيد عبد الرحمن المهدى، والشريف حسين الهندي، والشيخ على الطيب أحمد هاشم مفتى السوادان، والشيخ أبو القاسم أحمد هاشم رئيس لجنة علماء السودان، والشيخ إسماعيل الأزهرى قاضى دارفور، وناظر الكبابيش على التوم، وناظر الهندودة إبراهيم موسى، وناظر الشكرية عوض الكريم أبو سن وناظر البطاحين إبراهيم محمد فرح، لحظة وصول الوفد إلى لندن تم استقباله بحفاوة وفرح عظيمين وقد أعد له برنامج عمل رسمي التقى الوفد فيه بمسؤولين في الحكومة البريطانية، وعندما التقت هذه القيادات بالملك جورج الخامس أكد مساندتهم و وقفتهم مع بريطانيا وسعادتهم بانتصار بريطانيا في الحرب. وبخصوص العلاقة مع مصر أكد الوفد شعورهم بأن الموقف البريطاني الرسمي هو الذي يجد التأييد وأنهم ينأون بأنفسهم عن ما تقوم به الحركة الوطنية في مصر، وأن الشروط التي تحدث عنها رئيس مجلس وزراء مصر حول مستقبل السودان والمفاوضات التي طرحت لا علاقة لها بهذا الوفد، وقد عبر السيد على الميرغني والسيد عبد الرحمن المهدى صراحة نيابة عن الوفد عن ذلك، وفى هذا يقول البروفسور محمد عمر بشير (وفى هذا المنحنى كانوا يعبرون عن صوت ورغبات وسياسة الإدارة البريطانية) ، ويقول دكتور عبد الفتاح منصور (و مع أن الإعلام البريطاني قد استغل هذه الفرصة لإعلان أن زيارة الزعماء السودانيين إلى لندن بهدف إظهار الولاء للتاج البريطاني والتخلص من النفوذ المصري، وأن هؤلاء الزعماء كانوا حتى قبيل رجعوهم للسودان يعقدون اجتماعات مع وزير الخارجية البريطاني وأكدوا عدم ثقتهم في مصر ورغبتهم في التخلص من المصريين وإنهاء الوجود المصري في السودان).

ويقول الأستاذ جمال شريف (أن السير ونجت باشا هو الذي تولى تنظيم وترتيب برنامج زيارة وفد تجمع الأعيان إلى لندن وهو الذي قدمهم للملك جورج الخامس)، ويمضى في القول (إذن بريطانيا قد نجحت في دفع السيد على الميرغني بدعوته لإلحاق السودان بالإمبراطورية ومناداة السيد عبد الرحمن المهدى بسياسة أبعاد مصر عن السودان) .
ساهمت صحيفة حضارة السودان في تكريس التوجه البريطاني وإحداث قطيعة إستراتيجية مع مصر، فقد دعمت الإدارة البريطانية في السودان الصحيفة وأصبحت مملوكة للحكومة، وأن مؤسسيها كانوا هم السيد عبد الرحمن المهدى، والسيد علي الميرغني والشريف يوسف الهندي، ولبيان دور صحيفة حضارة في تعزيز الإستراتيجية البريطانية نورد مثالًا واحداً وهو نشرها مقالًا في أحد أعدادها يقول في إحدى فقراته (مما لا شك فيه أن السودانيين لا يستطيعون في الوقت الحاضر حكم أنفسهم دون توجيه أجنبي، وأن مصر لا تملك الخبرة والحكمة في فن حكم الآخرين وأن البريطانيين هم الأكثر مهارة وحكمة وخبرة في حكم الشعوب) .
أما الأمر الثاني والأساسي في إستراتيجية المخابرات البريطانية ومن باب أولى حكومتها فهو تيار وشعار السودان للسودانيين، فقد كان شعارًا وطنيًا في ظاهر الأمر إلا أنه يحمل في طياته معنى عميق مؤداه رفض أي تقارب إستراتيجي مع مصر وفى نفس الوقت أن يكون التيار والشعار مرتبطة بالأسس المرعية في الأصول العميقة للسياسة البريطانية، ودليل على ذلك ما قاله حسن عابدين (لعله من المفارقة والسخرية بمكان ونجد باشا الحاكم العام للسودان هو من بلور وصاغ شعار السودان للسودانيين قصد منه أن العداء العنصري بين السودانيين والمصريين أكثر عمقًا، ولا يمكن تجاوزه لذا فإن هذا الشعار سيجد قبولًا وأرضًا خصبة في السودان) وشعار السودان للسودانيين في جوهره يعنى التعاون مع الإدارة البريطانية والإبقاء عليها لتحكم السودان أطول فترة ممكنة، وهو شعار ضد وحدة شعبي وادي النيل، وأن هدفه لم يكن جعل السودان بلدًا مستقلًا، بل بلد يدور في فلك إستراتيجية غربية أطلسية، سودان تتناوشه المخاطر والتحديات والحروب بغرض إبقاءه تحت السيطرة دومًا.
◦ قصدنا من الاستطالة في سرد أحداث طواها الزمن وتناستها الأجيال أن نشير إلى أصل عميق ما زال شبحه المتهاوي يخيم على السودان، وكان المصير هو ما خططت له أيادي آثمة، فقد كان مصير السودان قبيل الاستقلال باندلاع نيران حرب الجنوب واستمر سعيرها إلى العام ٢٠١١ بانفصال جنوب السودان، وبعد الاستقلال دخل السودان في أزمة حكم ما بين أحزاب مخترقة حتى أخمص قدميها من قبل أجهزة المخابرات الغربية وانقلابات عسكرية يدس فيها السم في الدسم، وثورات وانتفاضات مدروسة بعناية حتى بدأ تاريخ السودان وكأنه حلقة من جحيم تفضى إلى العدم، وتمردات من أطراف السودان، ونار مسعرة من جحيم قتل وتشريد في جبال النوبة والنيل الأزرق وربوع كردفان تحت شعارات ولافتات وعناوين تتداخل حتى تلتبس عليك الأشياء، و خير مثال في فترة حكم حمدوك رأينا إعادة ذلك التاريخ المضني والعذاب المستمر لإنسان السودان في دورة جديدة بدأ من خطاب حمدوك لمجلس الأمن الدولي الذي طلب فيه إرسال بعثة اليونيتامس، ومن المفارقة الفكهة أن الخطاب صاغ محتواه السفير البريطاني عرفان صديق، وتسمر السردية الحزينة بالاتفاق الإطاري وتجهيز ميلشيا للدعم السريع لإشعال فتيل الحرب التي تدور رحاها الآن.

ختامًا، نقول أنه لا سبيل للسودان سوى التخلص من حالة الاختراق الأجنبي الكثيف ببناء نظام سياسي سوداني قادر على صياغة رؤية إستراتيجية متفق عليها، ملزمة و تراعى امتلاك القوة الإستراتيجية، وتبنى مؤسسات قادرة لمجابهة المخاطر والتحديات وفى مقدمة ذلك مساندة دور القوات المسلحة وتطوريها وتحديثها، و تقوية جهاز المخابرات العامة وتحديثه وبناء شرطة قادرة ومتوثبة للمستقبل، ومن جهة أخرى حسم قضايا التوزيع العادل للسلطة والثروة في ظل تماسك مجتمعي ورضا وطني تحرسه ديمقراطية سودانية الأصل والأهداف.
من جانب آخر، نعتقد أن بناء إستراتيجية سودانية مصرية للنظر نحو المستقبل بعد تدبر في الماضي، حيث أنه لا خيار لاستراتيجية مصرية بمعزل عن السودان ولا خيار لاستراتيجية سودانية دون مصر فالمصير والقدر يجمع شعوب مصر والسودان.

المقالة السابقة

قرب تعافي التعليم العالي وتحقيق الانتصار في حرب الكرامة ..(1 من 3) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

المقالة التالية

صفقات ترامب (16) إيران وأمريكا في الخليج: من حافة المواجهة إلى هندسة المصالح .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي والإقليمي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *