Popular Now

وجه الحقيقية | آخر أوراق الابتزاز الإقليمي .. بقلم/ ابراهيم شقلاوي

قرب تعافي التعليم العالي واعلان انتصار حرب الكرامة … (2 من 3) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

تقرير استراتيجي: رسالة بورتسودان .. ملامح ” الحسم والغطاء “.. !! بقلم/ د. محمد الخاتم تميم

وجه الحقيقية | آخر أوراق الابتزاز الإقليمي .. بقلم/ ابراهيم شقلاوي

قد يُقرأ الحديث عن سعي مليشيا الدعم السريع لامتلاك طيران حربي باعتباره حلقة من حلقات الحرب النفسية التي ترافق هذا الصراع منذ اندلاعه في الخامس عشر من أبريل 2023. غير أن منطق السياسة في الحروب الطويلة لا يسمح بالاكتفاء بالاستخفاف بالإشارات، مهما بدت مبالغًا فيها، لأن ما ينشر في الإعلام الدعائي قد يتحول، عند توقيت محدد، إلى أداة ضغط استراتيجية في قلب المعركة.

من المعلوم أن السودان اليوم لا يواجه مليشيا منفلتة ، بل مشروعًا إقليميًا حاول أن يجد في الفوضى مدخلًا لإعادة هندسة الدولة وفق مصالح تتصل بالموارد والموقع الجيوسياسي والبحر الأحمر وعمق القرن الإفريقي.

هذا المشروع تلقّى ضربة قاصمة مع صمود الجيش السوداني، مسنودًا بالمقاومة الشعبية والمستنفرين والقوات المشتركة وبقية الأجهزة الأمنية، بجانب تمسك الدولة بخارطة طريق واضحة تقصي المليشيا وداعميها من أي إعادة تدوير في المشهد السياسي والأمني تحت أي لافتة أو عنوان.

غير أن هذا المشروع الذي يوشك على الانهيار غالبًا ما يلجأ إلى أدوات أكثر خطورة لإطالة أمد الحرب، حتى لو كان ذلك عبر الإبقاء على بؤرة توتر قادرة على الابتزاز وزعزعة الاستقرار الأمني والسياسي.

في هذا السياق جاءت تسريبات نقلها موقع “ميدل إيست آي” عن مصدر استخباراتي سوداني تفيد بسعي الدعم السريع إلى امتلاك طائرات مقاتلة من طرازي ميغ-25 وسوخوي سو-24، مع الحديث عن شراء ست طائرات من أسواق السلاح في صربيا، وتفكيكها ونقلها عبر مسارات محتملة تمر بإثيوبيا أو بقاعدة الكفرة شرق ليبيا الخاضعة لقوات خليفة حفتر، قبل إعادة تجميعها. ورغم أن هذه المعطيات لم تُؤكَّد رسميًا، فإن مجرد تداولها في هذا التوقيت يحمل دلالة سياسية تتجاوز بعدها العسكري.

امتلاك مليشيا منفلتة لطيران حربي إن ثبت يعني فتح باب واسع لتدويل الحرب بصورة أكثر خطورة. الطيران بطبيعته أداة لا تُستخدم إلا ضمن منظومات الدول والعمل الاستخباري المعقد : صيانة، قطع غيار، تدريب، معلومات استطلاع، ومسارات إمداد عابرة للحدود. أي أن من يمد المليشيا بهذه القدرة لا يراهن على نصرها العسكري بقدر ما يراهن على تحويل السودان إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، يُعاد فيها تعريف الأمن والاستقرار وفق منطق الفوضى وتدمير قدرات البلاد وتشريد شعبها.

تزداد هذه الصورة قتامة إذا وُضعت في مقابل المشهد الآخر الذي يسيطر هذه الأيام علي منصات الأخبار، حيث تظهر مساعٍ حثيثة من الرياض وواشنطن والقاهرة وأنقرة لاحتواء النزاع وفق المبادرة السعودية وخارطة الطريق لسلام السودان التي قدّمها رئيس الوزراء د. كامل إدريس مؤخرًا أمام مجلس الأمن. فإذا كانت هذه العواصم تمتلك بالفعل مفاتيح التأثير القادرة على كبح الحرب، كما توحي به تحركاتها، فإن أي استمرار لتدفّق السلاح إلى المليشيا لا يمكن قراءته إلا بوصفه إما فشلًا خطيرًا في الضبط أو لعبة مزدوجة تُمارَس على السودان تحت ستار الوساطات والتطويل.

السلام الذي يُعرض في القاعات الدبلوماسية لا معنى له إذا كانت سماء الحرب تُعاد تعبئتها في الخفاء، لأن ذلك لا يكون سوى تنويم سياسي يُراد به شراء الوقت لإعادة تدوير المليشيا كورقة ابتزاز جديدة.

من هنا لا يملك السودان رفاهية الانتظار أو حسن النية، عليه أن يتعامل مع الملف باعتباره تهديدًا وجوديا، وهذا يفرض الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق هندسة الردع، عبر تثبيت تفوقه الجوي والاستخباري، وتوسيع شبكات الرصد والتشويش، وتجفيف ممرات تهريب السلاح، لأن السيادة لا تُحمى على الأرض فقط بل في فضاء السيطرة و الإمداد.

وفي الوقت ذاته، ينبغي تحويل هذا التهديد إلى ملف سياسي دولي، كخطر على أمن الإقليم كله من البحر الأحمر إلى ليبيا والقرن الإفريقي، حيث تصبح كل طائرة تُهرَّب إلى مليشيا شهادة إدانة لمنظومة الرقابة الدولية على السلاح والإرهاب ولمن يدّعي حماية المدنيين بينما يسلّح من يهددهم.

الأكثر من ذلك أن على السودان أن يعيد هندسة تحالفاته الإقليمية والدولية على أساس المصالح الصلبة لا المجاملات الدبلوماسية، فالاستقرار في الخرطوم لم يعد شأنًا محليًا بل عقدة توازنات في الإقليم كله، من أمن البحر الأحمر إلى مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية. هذه أوراق جيوسياسية حقيقية، إذا أُحسن توظيفها، تجعل أي محاولة لإعادة تدوير المليشيا عبئًا ثقيلًا على داعميها بدل أن تكون ورقة ضغط على الدولة.

هنا يجب أن تتحدد خيارات السودان بوضوح. الخيار الأول هو تثبيت معادلة الردع عبر تعميق التفوق الجوي والاستخباراتي للجيش، وتوسيع شبكات الرصد والتشويش، وتجفيف أي ممرات محتملة لنقل السلاح باعتبار ذلك فعل سيادي يعيد رسم حدود الدولة في الفضاء الإقليمي.

الخيار الثاني سياسي- دبلوماسي، يقوم على نقل هذا التهديد إلى طاولة المجتمع الدولي كخطر على أمن الإقليم كله، من البحر الأحمر إلى ليبيا والقرن الإفريقي. كل طائرة تُهرَّب إلى مليشيا هي إعلان فشل لمنظومة الرقابة الدولية على السلاح، وفضيحة أخلاقية وقانونية للمجتمع الدولي.

أما الخيار الثالث، وهو الأعمق، فيتمثل في إعادة هندسة تحالفات السودان الإقليمية والدولية على أساس جديد: ليس فقط من يقف معنا في البيانات والعمل الدبلوماسي، بل من يلتزم عمليًا بحماية وحدة الدولة ومنع تفكيكها عبر دول إقليمية تقدم السلاح دون رادع. فالدول التي تخشى تمدد الفوضى العابرة للحدود ستجد في استقرار السودان مصلحة مباشرة، لا منّة سياسية.

هذا وبحسب #وجه_الحقيقة ، يقف السودان اليوم أمام لحظة مفصلية. فإذا سُمح للمليشيا أن تمتد إلى السماء بعد أن انحسرت على الأرض، فإن الرسالة التي ستُبعث إلى الإقليم والعالم ستكون قاسية: أن الدولة يمكن ابتزازها حتى وهي تقاتل وتنتصر. ولهذا، فإن المعركة لم تعد فقط ضد مليشيا، بل ضد من يحاول أن يجعل من السودان إحدى أوراق الابتزاز الإقليمي. إما أن تُنتزع هذه الورقة وتُحرق، أو يُترك الوطن كله رهينة في يد من لا يرى فيه سوى رقعة على طاولة المصالح و التوازنات البائسة.
دمتم بخير وعافية.
الاحد 25 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

قرب تعافي التعليم العالي واعلان انتصار حرب الكرامة … (2 من 3) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *