لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على السلطة داخل دولة منهكة، بل أصبحت أداة لإعادة توزيع النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. القوى الإقليمية لم تعد تنتظر نتائج المعارك، بل تصنع مساراتها السياسية والاقتصادية بالتوازي مع القتال.
السودان اليوم هو قلب المعادلة الجديدة في شرق أفريقيا.
أولاً: الحرب كوسيلة لا كهدف
في الصراعات الحديثة، لم تعد الجيوش تحسم وحدها.
ما يجري في السودان يُدار عبر:
• المال والذهب
• المليشيات بالوكالة
• الضغط الدبلوماسي المتناقض
• التحكم في الموانئ والمعابر
النتيجة المقصودة ليست النصر العسكري، بل:
إضعاف الدولة المركزية وتحويلها إلى ساحة نفوذ مفتوحة
وهو النموذج الذي جُرّب في ليبيا واليمن.
ثانياً: معركة البحر الأحمر الخفية
السودان ليس مهماً لحدوده فقط، بل لموقعه البحري الاستراتيجي.
من يسيطر على استقرار السودان يؤثر على:
• الملاحة الدولية
• أمن الخليج
• التجارة الأوروبية الآسيوية
• النفوذ في القرن الأفريقي
ولهذا نرى سباقاً غير معلن على:
الموانئ — القواعد — الشراكات الأمنية
والحرب وفرت الغطاء المثالي لهذا السباق.
ثالثاً: المواقف الإقليمية بين العلن والخفاء
🇪🇬 مصر
ترى في السودان عمقها الاستراتيجي وأمنها القومي المباشر.
أي تفكك سوداني يعني حدوداً ملتهبة وفوضى جنوبية خطيرة.
🇸🇦 السعودية
تتحرك لحماية البحر الأحمر ومنع نموذج المليشيات من التمدد.
هدفها دولة سودانية مستقرة لا ساحة صراعات.
🇶🇦 قطر
تميل إلى الحلول السياسية وإعادة الإعمار مستقبلاً، مع رفض التفكيك الكامل للدولة.
🇹🇷 تركيا
تراقب توازن النفوذ البحري في مقابل التحركات الإماراتية، خاصة في الصومال وسواكن سابقاً.
🇵🇰 باكستان
تدخل على خط الشراكات العسكرية مع الخليج، ضمن صراع موازين القوى لا حباً في السودان بل في موقعه.
رابعاً: المنظمات الإقليمية… الحضور الضعيف في لحظة مفصلية
الجامعة العربية
بيانات أكثر من أفعال — عجز عن فرض مسار حقيقي للحل.
الاتحاد الأفريقي
تراجع نفوذه لصالح القوى الخليجية والدولية، وفقد دوره القيادي في أزمات القارة.
وهذا الفراغ هو ما سمح بتدويل الأزمة بهذا الشكل الواسع.
خامساً: الدور الدولي – إدارة الأزمة لا حلها
🇺🇸 الولايات المتحدة
تركز على:
منع الفوضى من تهديد الملاحة
احتواء النفوذ الروسي والصيني
إبقاء الصراع تحت السيطرة لا إنهائه سريعاً
🇺🇳 الأمم المتحدة
حضور إنساني أكثر منه سياسي.
🇪🇺 الاتحاد الأوروبي
قلق من: الهجرة – الإرهاب – اضطراب التجارة
لكن بلا أدوات ضغط حقيقية.
💰 المانحون
يربطون أي دعم بإعادة تشكيل سياسي طويل المدى… لا بإنهاء سريع للحرب.
سادساً: الخلاصة الجيوسياسية
ما يحدث في السودان هو:
حرب داخلية تُدار بأدوات خارجية
وصراع إقليمي يُخاض على أرض سودانية
والهدف النهائي:
إعادة هندسة القوة في القرن الأفريقي
من دولة مركزية مؤثرة
إلى ساحة نفوذ متداخلة يسهل التحكم بها.
الرسالة الختامية
السودان لا يواجه ميلشيا فقط…
بل يواجه مشروع تفكيك إقليمي كامل.
وما لم تُستعد الدولة الوطنية القوية،
فإن نار الفوضى ستنتقل من الخرطوم إلى:
أديس أبابا،
مقديشو،
البحر الأحمر
وقلب أفريقيا.
سلسلة الحرب علي السودان .. الحلقة (51) .. من الخرطوم إلى القرن الأفريقي: كيف تُدار الحرب بالوكالة وتُعاد صياغة النفوذ الإقليمي؟ .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود – الباحث المختص في الشأن الأفريقي
المقالة السابقة
