بعد كل ما تناولنا من (١-٤)،
لم يعد السؤال: هل نحتاج مراكز فكر في السودان؟
السؤال الحقيقي هو:
هل نملك ترف تأجيلها أكثر؟
لأن الدول لا تُهزم فقط حين تُخطئ،
بل حين تُكرر الخطأ لأنها لم تتعلّم.
وهنا…
نصل إلى #أصل_القضية.
اولا – ما الذي يجب أن يتغيّر الآن؟
ليس المطلوب ثورة فكرية،
ولا إعادة اختراع الدولة،
بل خمسة تحوّلات واقعية…
إن لم تحدث، فسيظل كل ما يكتب بلا أثر.
١) الاعتراف الرسمي بدور مراكز الفكر
الخطوة الأولى ليست مالية،
بل سياسية ومعنوية:
●الاعتراف بأن الفكر جزء من منظومة الأمن القومي
●التعامل معه كأداة تقليل مخاطر
لا كترف أكاديمي
> الدولة التي لا تسمع لعقلها ستسمع لضغوط غيرها.
٢) الانتقال من الاستشارة الموسمية إلى الشراكة المؤقتة
لا نحتاج:
تقارير عند الأزمات
بل:
●شراكات محددة الزمن
●حول ملفات محددة
●بأهداف قابلة للقياس
> الفكر لا يُستدعى لإطفاء الحريق،بل لمنع اندلاعه.
٣) فتح قنوات صامتة لا إعلامية
القرار لا يُصنع أمام الكاميرات.
المطلوب:
●قنوات مهنية
●دوائر ثقة
●نقاشات بلا تصعيد
> السياسة الجيدة تعمل في الهدوء… وضجيجها يظهر فقط في النتائج.
٤) كسر حاجز الخوف من التفكير المختلف
الاختلاف ليس تهديدًا،
بل إنذارًا مبكرًا.
الدولة التي تخاف من الرأي المدروس:
● ستُفاجأ بالأزمات
● ستدفع كلفتها مضاعفة
> أسوأ قرار…هو الذي لم يُناقش.
٥) ربط الفكر بالمساءلة لا بالشعارات
كل توصية:
●تُقاس
●تُراجع
●تُعدَّل
> الفكر الذي لا يُحاسَب…سيتحوّل إلى إنشـاء، والقرار الذي لا يُراجع…سيتحوّل إلى عبء.
ثانيا- ماذا يحدث إن لم يتغيّر شيء؟
هنا يجب أن نكون صريحين.
إذا استمر تغييب مراكز الفكر:
●ستُدار الدولة بردود الأفعال
●ستُكرر السياسات نفسها بأسماء جديدة
●ستُهدر الفرص لأن لا أحد يرى الصورة كاملة
> الخطر الحقيقي ليس في الخطأ، بل في العمى المؤسسي.
ثالثًا: المجتمع كمنظومة إنذار لا كجمهور تصفيق
في الدول التي تفكّر، لا يُختزل دور المواطن في الهتاف ولا في الرفض المتأخر، بل في رفع جودة السؤال قبل أن يصبح القرار واقعًا.
المواطن ليس صانع سياسة، لكنّه شريك في مناخها. وحين يسود سؤال سطحي، يُنتَج قرار سطحي. وحين يُكافأ الضجيج ويُعاقَب التفكير، تفقد الدولة إحدى أهم آليات الإنذار المبكر.
أخطر ما أصاب المجال العام ليس الاستقطاب، بل تبسيط السياسة، وتحويلها إلى نيات وشعارات، بدل أن تُناقَش كخيارات لها كلفة ونتائج. في هذا المناخ، تُحاصَر مراكز الفكر، لا لأنها أخطأت، بل لأنها تُعقّد ما يراد له أن يبدو بسيطًا.
المجتمع الواعي لا يطلب إجابات فورية، ولا يصفّق لكل قرار، ولا يُشيطن كل رأي مختلف. بل يطالب بمسار تفكير واضح، وبتفسير للخيارات، وبمراجعة للنتائج. لأن السياسة التي لا تُناقَش قبل اتخاذها، ستُفرض بعد فشلها.
حين يغيب هذا الدور، تُدار الدولة بردود الأفعال، وتُستبدل الشراكات الفكرية بالهتافات، وتُغلق المساحة بين القرار والعقل. وحينها، لا يُلام القرار وحده، بل يُلام المجتمع الذي سمح له أن يُتَّخذ في العتمة.
> المواطن الذي لا يشارك في التفكير…سيُجبر دائمًا على التعايش مع قرارات لم يفهمها ولم يخترها.
#أصل_القضية،،،
مستقبل السودان لن يُحسم في الخطابات،
ولا في ردود الأفعال،
بل في قدرة الدولة على أن تُفكّر قبل أن تُقرّر.
ومراكز الفكر ليست ترفًا…
بل صمام أمان في لحظة دولة.
إمّا أن ندمج العقل في القرار الآن،
أو ندفع ثمن الغياب لاحقًا…
ويبقى سؤال #أصل_القضية:
إذا كانت الدولة تُخطئ لأنها لا تفكّر،
والمجتمع يدفع الثمن لأنه لا يسأل،
فمَن المسؤول عن كسر هذه الدائرة قبل أن تُصبح قدرًا؟


