الزيارة القصيرة لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة للهند في ١٩ يناير ٢٠٢٦م جاءت بعد أحداث اليمن و التي بموجبها استخدمت المملكة العربية السعودية القوة لطرد الوجود الإماراتي و المليشيات الموالية لها من الأراضي اليمنية و عزم المملكة علي اتخاذ خطوات عملية للحد من التهديدات الناتجة من ممارسات الإمارات علي أمن و سلامة المنطقة العربية عامة و المملكة علي وجه الخصوص .
الإجراءات العسكرية ضد الإمارات في اليمن و ما تلتها من عمليات حاسمة من منع عبور المجال الجوي السعودي و ربما الحصار البحري علي الإمارات من قبل المملكة و حلفائها الاقليميين مثل مصر و سلطنة عمان و القفزة الكبيرة في الشرق الأوسط بميلاد تحالف إقليمي بقيادة المملكة العربية السعودية معادي لسلوك و تصرفات حاكم الإمارات في المنطقة و بروز الأزمة السودانية بقوة و تبني المملكة مواقف صارمة بشأنها و ظهور باكستان ضمن التحالف و الاخبار التي سرت في الآفاق و تداولتها وكالات الأنباء عن إمداد لوجستي باكستاني للقوات المسلحة السودانية بدعم عربي سعودي كل هذه التقلبات السريعة في المشهد الإقليمي و فتور في علاقات الإماراتية مع حليفتها الاستراتيجية (امريكا) التي غيرت مواقفها بعد زيارة ولي العهد السعودي لها دفعت بالإمارات للبحث عن حليف استراتيجي خارج الإقليم بمواصفات لتأمين ممر آمن لها للاتصال الخارجي و الحصول علي شراكة استراتيجية وكان الخيار الأمثل هو الهند ( راجع ، الإمارات و الهند …شراكة تتقدم علي وقع التوترات الإقليمية للكاتبة تمارا برو ، ٢٢ يناير ٢٠٢٦م ) .
وقع الاختيار علي الهند شريكا استراتيجيا للإمارات في هذا التوقيت لعوامل عدة منها :
أولا : الجغرافيا : تطل الهند و الإمارات علي بحر العرب بالتالي هذا يحقق لهما سهولة انسياب حركة الملاحة البحرية و الجوية لقرب المسافة بينهما بالتالي هو ممر آمن لتدفق التجارة بين الشريكين و منع الاختناق جراء الحصار الجوي و البحري من قبل المملكة العربية السعودية ، لذا تم توقيع اتفاقات شراكة استراتيجية بين الطرفين اهمها الشراكة الاستراتيجية العسكرية و ان لم تنص علي الدفاع المشترك و الاتفاقات الاقتصادية لتنويع الشراكات التجارية و خاصة اتفاق الغاز و الذي بموجبه تستورد الهند الغاز الإماراتي بما قيمته (٢٠٠) مليار دولار و بذا تصبح الهند أكبر مستورد للغاز الإماراتي و ثالث اكبر شريك تجاري للإمارات .
ثانيا : العلاقات الشخصية : بالرجوع إلي دراسة العلاقات البينية لحاكم الإمارات و رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي نجد بينهما علاقة صداقة حميمة و الرابط بينهما هو محاربة الإسلام السياسي حسب زعمهما تحت مظلة محاربة الإرهاب ، يقوم مودي بموجب هذه العلاقة الخاصة كل مرة بكسر البروتوكولات عند زيارة بن زائد للهند باستقباله في المطار و بشكل ينم عن مدي الوفاء و الإخلاص لابن زائد حينما ينتظر مودي تحت سلم الطائرة فاردا يديه لاحتضان الضيف الصديق الوفي و هذا ما لا تسمح به البروتوكولات الهندية حيث لا يستقبل رئيس الوزراء الزعماء عند قدومهم الهند .
مودي هندوسي متعصب انضم مبكرا الي منظمة ( RSS) (حركة راشتيا سانغ ) و هي منظمة شبه عسكرية هندوسية متعصبة و هي الجناح العسكري لحزب الشعب الهندوسي الذي ينتمي اليه مودي (بهاراتيا جاناتا الهندوسي) ، هدف المنظمة هو الدفاع عن الهندوسية بقتل المسلمين باعتبارهم غزاة غزوا الهند و استعمروها لمئات السنين فعليهم خيارين لا ثالث لهما في الهند ( باكستان او قبرستان ) بمعني الهجرة الي باكستان أو القبر ، تقوم هذه المنظمة المدعومة من الحكومة بعمليات تصفية جسدية يوميا ضد المسلمين و خاصة السنة منهم و في السنة الجماعة السلفية و الاخوان المسلمون لتاثيرهما الكبير في اسلمة الهندوس (الشيخ الدكتور ذاكر نايك)حيث ارتفعت معدلات اعتناق الإسلام وسط الهندوس قبل وصول مودي إلى السلطة أعلى معدلاته ، تتم هذه العمليات تحت مادة اكل لحوم البقر المحظور في بعض الولايات .
ثالثا : المقاربة بين مودي و بن زائد : هدفهما هو محاربة الإسلام تحت مظلة محاربة الإسلام السياسي ، كلاهما مستبد ، دمويان يسرفان في قتل المسلمين بلا رأفة ، مودي نشأ في بيئة هندوسية متعصبة متعطشة لدماء المسلمين انضم لحركة ( RSS) في صباه و انضم لحزب الشعب الهندوسي ، صار رئيسا لوزراء ولاية غوجرات في سنة ٢٠٠١م و ارتكب مجزرة احمد اباد ضد المسلمين قتل فيها أكثر من الف مسلم حيث استباح الهندوس المدينة لثلاثة أيام دون تدخل الأجهزة الأمنية ، صنف مودي جراء تلك الأحداث مجرم حرب من قبل كثير من الدول بما فيها أمريكا، انتخب رئيسا للوزراء بعد فوز حزبه في العام ٢٠١٤م فزاد الخناق علي الإسلام و المسلمين من اضطهاد و مذابح ، فاز للمرة الثانية في العام ٢٠١٩م باغلبية فكان اول قراراته تعديل الدستور الهندي لسنة ١٩٤٧م و الذي منح ولاية جامو وكشمير المسلمة حق الحكم الذاتي و قضي التعديل بإلغاء حق الحكم الذاتي كما نص التعديل بحق منح الجنسية للهندوس حول العالم و حق نزع الجنسية من المسلمين ، بأمر مودي قضت المحكمة للهندوس ببناء معبد علي انقاض مسجد البابري الشهير في مدينة ايوديها و الذي تم هدمه بواسطة هذه المنظمة الهندوسية في العام ١٩٩٢م و قتل في تلك الاحداث أكثر من الفي مسلم و تم افتتاح المعبد في العام ٢٠٢٤م ، مودي أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل حيث زار ها في العام ٢٠١٧م مخالفا لمبادئ الهند الداعمة للقضية الفلسطينية بل اصبح مدافعا عن إسرائيل في المحافل الدولية و مهاجما للقضايا الفلسطينية و خاصة حول أحداث غزة الأخيرة ، موقفه من السودان غير معلن لكن فيه فتور في العلاقات بإعتبار ان نظام الإنقاذ صنف نظاما لتنظيم اسلام سياسي فلم يخف الإعلام الهندي عداوته للنظام فشن كثير من الأقلام الهندية المشهورة حملة ضد الحكومة السودانية وقتها واصفا إياها بالبربرية الداعمة للارهاب ، الهند دولة علمانية كما نصت الديباجة في دستورها في العام ١٩٤٧م إلا أن مودي و حزبه الهندوسي قلباها إلي دولة دينية لا تعترف بالديانات الاخري و خاصة الإسلام، مودي في كل خطاباته العامة يستخدم اسم هندستان بدلا عن الهند أو البهارات و هذه هي أسماء الهند و هندستان تعني أرض الهندوس و هم اتباع الديانة الهندوسية.
أما صاحبه محمد بن زائد فليس بأقل منه في عداوته للإسلام فلم يسلم المسلمون من أذي دراهم بن زائد في تونس ، مصر ، الجزائر ، موريتانيا ، سوريا ، الصومال ، نيجيريا ، السودان ، قطر ، و من أقاصي الأرض مسلمو روهينغا في ميانمار البوذية و الايغور في الصين و حتي المساجد في أوروبا و أمريكا و حتي الجارة الكبري المملكة العربية السعودية و غزة ، تسبب بن زائد بدراهمه في قتل مئات الآلاف من المسلمين و هجرة ملايين منهم و تدمير كثير من هذه البلدان بدافع محاربة الإسلام السياسي فلا يري عدوا غير المسلمين ، ارضاء لمودي و للهندوس تم افتتاح أكبر معبد هندوسي في الشرق الأوسط و أول من نوعه في ابو ظبي عقب افتتاح معبد ايوديها في الهند و الذي تم تشييده علي انقاض مسجد البابري استفزازا للإسلام و المسلمين ، كما يدين مودي بالولاء لإسرائيل فإن ابن زائد هو الاخر اداة تنفيذ للمصالح الصهيونية في العالم و تحديدا في العالم الإسلامي فهو من تطبع مع إسرائيل و وقع الاتفاقات الابراهيمية معها و يعمل علي جر المنطقة الي التطبيع مع اسرائيل و التوقيع علي هذه الاتفاقات و دعم المجهود الحربي الإسرائيلي للحرب علي غزة و لديه صداقة خاصة مع نتنياهو رئيس وزراء الإسرائيلي ( راجع ، امارات التي في قلوبنا للكاتب السعودي د . احمد بن عثمان التويجري ، ٢٢ يناير ٢٠٢٦ م) .
رابعا : المتغيرات في السياسة الأمريكية: عصر ترامب و تبنيه سياسة خارجية براغماتية ( امريكا أولا) و تخليه عن الحلفاء التقليديين وفق المصلحة و منهم دولة الإمارات العربية المتحدة زادت مخاوف بن زائد من أن يقع فريسة بيد المملكة العربية السعودية و تحالفها الجديد و رضا أمريكا عن السياسة السعودية في المنطقة لذا بدت مخاوف بن زائد تزداد و من دون سابق إنذار اتجه نحو شبه القارة الهندية بحثا عن حليف قريب للنجدة عند الضرورة و شريك تجاري ضخم يضمن له شراكة تجارية بديلة دون متاعب ، الهند قوة اقتصادية كبيرة و خاصة في أفريقيا يمكن لابن زائد استغلال النفوذ الهندي في أفريقيا لتنفيذ اجندته المهددة من متابعة السعودية اللصيقة و الساعية لمحاربة الإمارات في اي بقعة من العالم كإستراتيجية لها في المرحلة القادمة و لحاجة الهند إلى هذا النوع من الشراكات مع قوة اقتصادية ضخمة و خاصة في مجال الطاقة و تدفق رؤس الأموال الإماراتية و خاصة بعد التهديدات التي تلقتها الهند من امريكا بشأن مشتقات البترول الروسية فإنها بهذه الشراكة الكبيرة وجدت حلا لمشاكلها الاقتصادية و أمنها الاقتصادي و مع أمريكا أيضا مع قرب المسافة و سلامة الممر بين البلدين ما لم تحدث متغيرات في الساحة الدولية أو اقليمية
خامسا : التقارب السعودي الباكستاني : هذا التقارب في العلاقة بين قوتين اسلاميتين كبيرتين في العالم الاسلامي هو التحالف المنشود من دول المنطقة و العالم الإسلامي و حالة الاحتقان السياسي السعودي من سياسات الإمارات تجاه السعودية كان كافيا لابن زائد للبحث عن الحليف و بما أن الباكستان صار طرفا في خط السعودي فإن النقيض لها هي الهند للصراع الأزلي بينهما ،بذا تمحور الصراع من منطقة الخليج الي شبه القارة الهندية و في الصراع الهندي الباكستاني نجد الصين حاضرة و بالتالي قد يتحول هذا الي صراع إقليمي آخر علي الصراعات القائمة ، السعودية تضخ الأموال لباكستان و الإمارات تقوم برد فعل ، ربما نشاهد سباقا محموما بين بلدين نوويين في جنوب غرب اسيا في ظل صراع حليفيهما البلدان الثريان ( المملكة العربية السعودية و دولة الامارات العربية المتحدة) في غرب اسيا .
سادسا : التهديد الصيني : التوسع الصيني في المحيط الهندي عبر استراتيجية خيط اللآلي و هي نظرية جيوسياسية تتحدث عن النوايا الصينية محتملة الوقوع في منطقة المحيط الهندي و تشير الي شبكة من المنشآت و العلاقات العسكرية و التجارية الصينية علي طول خطوط الاتصال البحرية من بر الصين الرئيس الي بورتسودان إضافة الي خطة الممر الصيني الباكستاني و مبادرة الحزام و الطرق الصينية تشكل تهديدا للأمن القومي الهندي( ويكبيديا) ، قامت الصين باستخدام نظرية فخ الديون بتقديم قروض مالية بآجال بغرض زيادة نفوذها السياسي علي الدول التي تعجز عن سدادها ، بهذه السياسة احاطت الصين الهند من كل الجهات ، مثلا الوجود الصيني في سريلانكا و التي تبعد عن الهند ٣٠ ميل بحري و التي وقعت عقدا لأجل طويل لتوسعة ميناء كولمبو العاصمة بالتالي الصين تتحكم علي العاصمة و علي الميناء ، سريلانكا من دول اقلبم جنوب غرب اسيا تحت الهيمنة الهندية ، و ما حدث في جزر المالديف حيث قامت الصين ببناء جسر الصداقة لربط العاصمة (ماليه)بجزيرة هولهولي التي يقع فيها المطار بطول أكثر من كم و علي مقربة من الهند في اتجاه الجنوبي الغربي علاوة علي وجود الصين في باكستان و ميانمار و التوترات السعودية الإماراتية و التحالف السعودي الباكستاني تزيد من مخاوف الهند مما تدفعها لقبول اي شراكة استراتيجية مع اي صديق قوي عسكريا أو اقتصاديا حتي لو كان هذا الصديق الإمارات العربية المتحدة القوية اقتصاديا و في هذا التوقيت الملئ بالمفاجآت و المتغيرات .
سابعا : الوجود الهندي في الإمارات العربية : تفيد الاحصائيات بأن عدد الهنود المقيمين بدولة الإمارات العربية يبلغ من ٣.٥ الي ٤ مليون نسبة و هم الجالية الاكبر علي نطاق الشرق الاوسط و تقدر تحويلاتهم المالية إلي دولتهم الأم خلال العام إلى ١٥ مليار دولار بالتالي الهند لن تجازف بمصالحها الكبيرة في الإمارات حين تلوح مثل هذه الفرص في وقت تحتاج فيه الإمارات إلى الهند لتمتين علاقات المصالح بينهما .
السودان في قلب الشراكة الاماراتية الهندية (١) .. بقلم/ اللواء الركن متقاعد عثمان اسماعيل سراج ادريس
المقالة السابقة

