لم تكن الوثيقة الصادرة عن بنك السودان المركزي (إدارة تنظيم وتنمية الجهاز المصرفي) مجرد توجيه إداري روتيني، بل كانت إدانة صريحة وشهادة رسمية على تجاوز أخلاقي ومهني ارتكبه بنك الخرطوم في حق مودعيه. إن قيام البنك بخصم مبالغ من حسابات الادخار قسراً وتحت مسميات مضللة، يمثل سابقة خطيرة تستوجب ما هو أبعد من الاعتذار أو الرد.
السطو تحت غطاء إداري:
إن ما حدث هو عملية “تعدٍّ” مكتملة الأركان على الملكية الخاصة. فأن يعلم البنك علم اليقين بأن هذه الخصومات غير صحيحة، ثم يمضي في تنفيذها دون إخطار المودعين أو الحصول على موافقتهم، هو ضرب من الجشع الذي يتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان الأساسية. لقد نصت الأديان السماوية والمواثيق الدولية على حرمة المال، فكيف لمؤسسة تدعي الريادة أن تضرب بهذه القيم عرض الحائط؟
قصور المركزي في الردع:
بينما يُثمن البعض سرعة استجابة البنك المركزي بإلزام بنك الخرطوم برد الأموال خلال 48 ساعة، إلا أننا نرى أنّ هذا الإجراء قاصر ومخلّ.
إنّ الاكتفاء بـإصلاح الخطأ دون معاقبة المخطئ يكرس لثقافة الفوضى.
نحن نتساءل:
أين الغرامات المالية المغلظة التي تذهب لصالح المتضررين؟
أين الإجراءات التأديبية ضد الإدارات التي أقرت هذا الالتفاف؟
كيف نثق في عقود فتح الحسابات مستقبلاً والبنك يغير شروطها بـجرة قلم منفردة؟
المحاسبة هي الضمانة الوحيدة:
إنّ الأمانة المهنية والأخلاقية تحتم على البنك المركزي إيقاع أقصى العقوبات التي نصت عليها لوائح العمل المصرفي. يجب أن يكون بنك الخرطوم عبرة لكل المؤسسات المالية؛ فالمواطن الذي أودع حر ماله في هذه الخزائن لم يودعها لتكون مستباحة لقرارات إدارية غير أخلاقية.
إنّ معركة استرداد الأموال قد حُسمت، ولكن معركة استرداد الكرامة المصرفية وحماية المودع من تغول المصارف لا تزال قائمة. لن يقبل المجتمع بأقل من محاسبة علنية، تضمن ألا يتحول الجهاز المصرفي إلى غابة يسطو فيها القوي على مال الضعيف تحت مسميات التأمين أو الرسوم.
على بنك السودان المركزي أن يدرك أن صمته عن فرض عقوبات رادعة هو ضوء أخضر لتجاوزات أخرى. الأمانة تقتضي الحزم، والعدل يقتضي القصاص الإداري، والمواطن ينتظر ليرى ،هل سيفعلها المركزي ويحمي رعيته؟
أم تجري المياه تحت الجسر، ويضيع حق المواطن شمار في مرقة كما يقول المثل الشعبي!!!

